Site icon IMLebanon

لبنان في سوريا… اقتناص فرصة أم “قنْص” استراتيجي؟

كتب وسام أبو حرفوش وليندا عازار في “الراي الكويتية”:

عيْن على سفن المحروقات الإيرانية، وعيْن أخرى على «الخط السوري» لإمداد لبنان بالغاز «الكهربائي» المصري عبر الأردن، وبينهما أنظارٌ على ملف تأليفِ الحكومة الذي يحْكمه «عمى الألوان» ويتنقّل من دائرةٍ سوداء إلى أخرى أكثر قتامة بما يُنْذِر بتعطيل آخِر كاسحة ألغام قادرة على تجنيب «بلاد الأرز»… الانفجار.

هكذا بدت بيروت وهي ترْصد هذه العناوين الثلاثة التي لم يكن ممكناً فصْل مساراتها، وسط انطباعٍ بأنها تتقاطع في أكثر من جانبٍ لتصبّ عند نقطتين:

الأولى تعزيز الاقتناع بأن الحكومة العتيدة ما زالت «في خبر كان» بدليل بدء التلويح بتشكيلةٍ باتت في جيْب الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وهو يختار توقيت طرْحها بعد التيقّن من «موت» الهيكل الذي جرت محاولة البناء عليه في الأسابيع الخمسة الأخيرة وستكون من خارج «صحن» صيغة الـ 24 وزيراً من الاختصاصيين غير الحزبيين وأطلقت عليها تسمية «حكومة إنقاذ تنفيذية» من 14 وزيراً غالبيتهم من أقطاب الصف الأول السياسيين.

والثانية أن عملية «حفْرٍ» مدروسة تجْري على تخوم مسار التأليف وترْمي إلى «شبْكِ» خياراتٍ كبرى «تدفن» سياسة «النأي بالنفس»، سواء في اقتطاع حصّة معلَنة لطهران في الاقتصاد اللبناني من بوابة أزمة المازوت والبنزين من خلف جدار العقوبات الأميركية، أو قطع شوط كبير نحو تطبيعٍ مع النظام السوري من باب أزمة الكهرباء.

وهذا الأمر من شأنه وفق مصادر سياسية أن يُغرِق التشكيلة الحكومية الموعودة بتكريس تموْضعٍ استراتيجي يشكّل رافعته «حزب الله» وحلفاؤه ويجعل هذه التشكيلة «مكشوفة» تجاه الخارج، كما أنه قد يؤول إلى «تطيير» إمكان تأليف الحكومة ترجمةً لنياتِ تمديد عمر حكومة تصريف الأعمال ما لم يكن ممكناً استيلاد بديلٍ يكون «زر التحكم» به في يد فريق رئيس الجمهورية ميشال عون.

وبمعزلٍ عن اعتبار أول زيارة رسمية لوفد لبناني وزاري إلى سورية (منذ 2011) ضمّ نائبة رئيس الحكومة وزيرة الخارجية والدفاع زينة عكر ووزيري المال غازي وزني والطاقة ريمون غجر والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم بمثابة فرصةٍ «اقتنصَها» لبنان الرسمي لتحقيق رغبةٍ قديمةٍ «دفينةٍ» بالانفتاح على النظام السوري مستفيداً هذه المَرة مما يشبه «منطقة آمنة» اقتصادية وفّرت واشنطن إمكاناتها عبر إبداء النية لاستثناء بيروت من موجبات قانون «قيصر» لاستجرارِ الغاز المصري عبر الأردن ثم سورية إلى شمال لبنان لزوم توفير طاقة كهربائية، فإنّ إشارات عدة صدرت أمس وعكستْ حساسيةَ هذا التطور ومَخاطر عدم «ضبْطه» والمبالغة في استثمار نافذةٍ يُخشى أن تتحوّل «باب ريح» لا يحتمله البلد القابع في عيْن العاصفة الشاملة.

وإذ لم تكن تبيّنت بعد نتائج زيارة الوفد اللبناني الذي استقبله وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في نقطة جديدة يابوس الحدودية مؤكداً «ان سورية إيجابية وترحّب بأيّ مبادرة ولن تقف عائقاً أمام أي اتفاقية تخدم لبنان»، فإنّ دمشق و«حزب الله» لم يتوانيا عن تظهير الأبعاد فوق العادية لهذا التطور ومحاولة جرّ لبنان الرسمي من خلاله إلى «وضعية اشتباكية» مع الولايات المتحدة، مستفيديْن من «أفضليةٍ» معنوية و«ميدانية» شكّلها تَجَرُّع واشنطن دخول المحروقات الإيرانية إلى لبنان بعد أن يتم إنزالها في مرفأ طرطوس ثم نقلها براً عبر سورية.

وفيما كان نائب «حزب الله» حسن فضل الله يعتبر أن المازوت الإيراني المنتظر وصوله قريباً بدأ «يكسّر أبواب الحصار الأميركي، وحمولة الباخرة الأولى ستكون طلقة دقيقة تكسر الحصار المالي والاقتصادي والسياسي المفروض على شعبنا، وهي حملت معها أيضاً إسقاطاً أميركياً للفيتو المفروض على التواصل الرسمي اللبناني مع سورية»، حرص رئيس المجلس الأعلى اللبناني – السوري نصري خوري على التشديد في معرض تأكيد أن دمشق رحّبت بالطلب اللبناني لاستجرار الطاقة على أن «لزيارة الوفد اللبناني مدلولات سياسية وأخرى تتعلق بموضوع الغاز وإعادة تفعيل التعاون بين البلدين»، قبل أن يعلن وزير الثروة النفطية السوري بسام طعمة «أن الشعب السوري يعاني في ملف الطاقة كما الشعب اللبناني، والأميركيون يحتلّون ثروة الغاز ويتصرّفون بها تصرّف قطّاع الطرق ويجب تحريرها».

وفي موازاة ذلك، كان ملف الحكومة يقبع في مربّعِ السلبية الكبيرة رغم كل محاولاتِ التخفيف من وطأة التناقضات الحادة التي تطبع مسار التأليف بين عون وميقاتي وأهدافهما من التشكيلة التي تتعدّد طبقات تعقيداتها ليبقى حجر الزاوية فيها، وفق خصوم رئيس الجمهورية، «الثلث المعطّل» الذي يمنح رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل تفوّقاً على كل الآخرين في الحكومة يمكن استثماره في أكثر من استحقاق ولا سيما الانتخابات الرئاسية، وإلا… لا حكومة.

ولم يكن ينقص الحلقة المقفلة إلا تظهير صراع آخَر على ما وصفته مصادر مطلعة بأنه ما يشبه «المجلس الوزاري الاقتصادي المصغر» داخل الحكومة والذي يضطلع بدور محوري في التفاوض مع صندوق النقد الدولي على آليات وحزمة الإنقاذ المالي، وسط محاولة رئيس الجمهورية الإمساك بالحصة الأكبر من «وزارات التماس» مع هذه المفاوضات، وهي الطاقة والشؤون الاجتماعية والاقتصاد، فيما آلت وزارة الاتصالات لتيار «المردة»، والمال من حصة الرئيس نبيه بري، وذلك بما يُبقي رئيس الحكومة بلا أي من هذه الحقائب الخمس الأساسية في رسْم خريطة الخروج من الحفرة العميقة.

وعلى وقع هذا الصراع، لم يكن عابراً تقاطُع المعطيات عند أن ميقاتي بات يملك «خطة ب» حكومية، تعكس بأي حال الأفق المسدود في التفاوض مع عون، وتولى تظهيرها موقع «لبنان 24» (المحسوب على الرئيس المكلف) الذي أكد «ان الرئيس ميقاتي منفتح على متابعة البحث والتعاون مع رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة من 24 وزيراً، لكنه منزعج من التأخير الحاصل ومن الشروط والعراقيل التي تؤخر مهمته، وهو يعتبر اللقاء مع الرئيس عون امراً طبيعياً لمناقشة الملف الحكومي وحسم الخيارات»، كاشفاً أن «من بين الخيارات التي باتت حاضرة لدى الرئيس ميقاتي، في حال تعثر أمر تشكيل الحكومة وفق تصور الـ 24 وزيراً، هو طرح«حكومة انقاذ تنفيذية»تتكون من 14 وزيراً، لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم».

وفي حين كانت صحيفة «النهار» أوردت أن تشكيلة الـ 14 تضم نجيب ميقاتي، تمام سلام، بهية الحريري، سليمان فرنجية، إبراهيم كنعان، جورج عدوان، ياسين جابر، محمد فنيش، جهاد مرتضى، وليد جنبلاط، اغوب بقرادونيان، فريد مكاري، الياس المر وغسان سلامة، وسط تقديراتٍ بأن طرْحها على عون قد يحصل مطلع الاسبوع المقبل وأن رفْضها ايضاً يمكن أن يفتح باب حسْم الخيارات في ما خص الاعتذار، بدا أن مثل هذا الطرح الذي «يستثني» باسيل محكوم بأن يتم «وأده في مهده»، وقد ارتسم أول «حائط صدّ» له أمس، ولو ضمنياً، من «التيار الحر» الذي أعطى أيضاً إشاراتٍ لإمكان الذهاب لإجراءات «تصعيدية» في إطار لعبة «لي الأذرع» الحكومية مع مؤشرات رمي كرة اي اعتذار لميقاتي في ملعب رؤساء الوزراء السابقين.

فالتيار الحر أعلن «ان الذين يدّعون دعم الرئيس المكلّف ويعرقلون في الوقت نفسه تشكيل الحكومة لدفعه للاعتذار، يتحمّلون المسؤولية عمّا يترتّب على ذلك من انفجار اجتماعي يهدّد الأمن والاستقرار»، لافتاً إلى أن «القوى الماضية في مخططها لاسقاط رئيس الجمهورية ستفشل حتماً بتحقيق هدفها، لكنها في المقابل ستكمل الحصار على الشعب اللبناني المهدّد بالفوضى وبالتجويع وبفقدان الدواء والطاقة».

وإذ دعا «رئيس الحكومة المكلّف الى الاتفاق سريعاً مع رئيس الجمهورية، شريكه الدستوري في تأليف الحكومة، وإعلان التشكيلة الحكومية بعدما تم تخطي كل العراقيل المفتعلة، لتأمين ولادة حكومة قادرة على الإصلاح ووقف الانهيار»، حذّر من أن «التيار لن يقف مكتوفاً أمام أي مماطلة بتأليف الحكومة وهو سيبدأ عملية اتخاذ القرارات اللازمة في هذا الشأن».

وكان باسيل، أجرى اتصالاً بالغ الدلالات بوزير الخارجية الايراني حسين أمير عبداللهيان جرى التطرق خلاله «إلى تطورات الوضع في لبنان في ضوء المساعي القائمة لتشكيل الحكومة، وما يصيب لبنان من ضائقة اقتصادية وأزمة سياسية داخلية وخارجية، وظروف صعبة يتوجّب العمل والتعاون للمساعدة على الخروج منها».