Site icon IMLebanon

هل بدأ موسم “العودة” اللبنانية إلى سوريا؟

… عندما سُئل الرئيس نجيب ميقاتي في مؤتمره الصحافي «الدامع» لحظة الإعلان عن تشكيل الحكومة عن العلاقة مع سورية وإمكان التواصل معها، قال «نعمل مع أيّ كان، باستثناء إسرائيل طبعاً، من أجل مصلحة لبنان والمصلحة الوطنية».

لم يكن موقف ميقاتي مستهجَناً، فصعود نجمه في الحياة السياسية ارتبط بعلاقته الوثيقة بنظام الرئيس بشار الأسد من جهة وبـ«تدشين» وفد حكومي لبناني لمرحلة جديدة من الصلات مع دمشق أخيراً من بوابة استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر سورية.

 

معقّدة وشائكة وقاسية وعصيبة، هي العلاقة التي تربط لبنان وسورية، قديماً وحديثاً، وهي مرشحة لأن تستمر كذلك بسبب لعبة التاريخ ولعنة الجغرافيا.

فسورية التي انسحب جيشها مرغَماً من لبنان في أبرايل العام 2005 بعد وصاية مباشرة استمرت لنحو ثلاثة عقود، لم يكن يَرُق لها استقلال جارها الصغير.

في 15 أكتوبر 2008، احتفلتْ قوى المعارَضة للوجود السوري في لبنان، بما عدته «انتصاراً» لافتاً، في مسار العلاقات اللبنانية – السورية، بإعلان العلاقات الديبلوماسية للمرة الأولى في تاريخ البلدين، وتَبادُل البعثات الديبلوماسية.

جاء الإعلان بعد 3 سنوات من خروج الجيش السوري من لبنان، لكنه عُدّ تتويجاً لمسارٍ طويل من التناقضات حيال الرؤية للعلاقة بين البلدين، من كلام الرئيس الراحل حافظ الأسد مع بداية الحرب اللبنانية عن «الشعب الواحد في دولتين»، إلى العلاقات المتوترّة والعدائية والتحالفات والاتفاقات الثنائية ووحدة المصير والمسار في السياسة الخارجية، وقوات الردع العربية والوجود السوري منذ 1990 وحتى 2005، بعد رفْضٍ مزمن لتطبيق اتفاق الطائف لاسيما الشق المتعلّق بالانسحاب السوري.

منذ 2008 وحتى اندلاع الحرب السورية العام 2011 وما تركتْه من تداعيات على العلاقة بين البلدين، في ضوء مشاركة «حزب الله» في الأعمال القتالية وتدفُّق النازحين السوريين إلى لبنان، وصولاً إلى محاولات التطبيع مع النظام السوري بخجل، منذ تسلُّم الرئيس ميشال عون مهمات الرئاسة، إلى لحظة ذهاب الوفد اللبناني الوزاري إلى دمشق قبل أيام من ولادة الحكومة الجديدة، متغيراتٌ كثيرة حصلت على الطريق، في لبنان وسورية وفي نظرة الدول العربية إلى دمشق، وغض النظر الاميركي الأخير عن محاولات التطبيع اللبنانية، في ظل رؤية جديدة لإدارة الرئيس جو بايدن حيال الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار في لبنان.

لا شك في أن زيارة الوفد الوزاري لا تشبه زيارة الرئيس سعد الحريري الى دمشق عام 2009، لأن الحريري لم يتوجّه إلى العاصمة السورية إلّا تحت ضغط ترتيب العلاقات بين دمشق والرياض، في ضوء السين – السين أي السعودية وسورية.

ورغم أن الحريري كان مربَكاً ومحرَجاً بالزيارة التي قام بها، إلا أن حلفاء له ومن تيار «المستقبل» رأوا في خطوته انقلاباً على مسار «ثورة الأرز».

أما زيارة الوفد الوزاري الأخير، فهي دخلت ضمن سياق «طبيعي» في معاودة العهد والحكومة السابقة (كانت مستقيلة) تعبيد الطريق إلى دمشق.

ودلّت تركيبة الوفد الأخير، على منحى سياسي واتجاه واحد.

نائبة رئيس الحكومة وزيرة الدفاع والخارجية بالوكالة (في الحكومة السابقة) زينة عكر ذات المنشأ السوري القومي الاجتماعي، كانت تغزل علاقات مع الاميركيين، لكنها تمثل عون ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وقوى 8 آذار، ووزير الطاقة ريمون غجر كان ممثل باسيل، أما وزير المال غازني وزني فهو من حصة الرئيس نبيه بري والثنائي الشيعي، كما المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم كجامعٍ لدور المقرَّب من رئيس الجمهورية والثنائي الشيعي، ومعروف بعلاقاته ووساطاته في دمشق.

لكن رغم الاتجاه الواحد لهوية أعضاء الوفد، إلا أن الزيارة لم تكن لتتم لولا رفع الغطاء الأميركي عنها، لاسيما أنها جاءت محصورة بمهمة استجرار الغاز والطاقة الكهربائية من مصر والأردن عبر سورية للبنان.

والأميركيون الذين باتوا متهيّبين لوقع الانهيار اللبناني الداخلي أعطوا إشارة واضحة بالدخول في المفاوضات مع سورية، لاسيما بعد طلب الأردن ومصر، تسهيل إمداد لبنان بالغاز.

لكن ما يريده الأميركيون وهو محدَّد بموضوع حياتي، يحاول العهد وقوى الثامن من مارس وسورية كذلك الاستفادة منه لمعاودة تعويم العلاقات اللبنانية – السورية في اتجاه مختلف، يصبّ في الإطار السياسي أولاً.

إذ ان الكلام اللبناني من جانب العهد الذي له موفد خاص لدى القيادة السورية، بثّ الحرارةَ في العلاقة مع دمشق، بالترويج تارةً لموضوع المسيحيين في الشرق، وتارةً بالسوق المشرقية ودور سورية في اقتصاد لبنان والعكس صحيح، وهو يعكس وجهة نظر عون الذي لم يخْفِ منذ عودته إلى لبنان، رغبتَه بعلاقة سوية مع دمشق على قاعدة أنه كان خصماً لسورية حين كانت في لبنان، لكنه لن يبقى عدواً لها حين عادت إلى بلادها.

ورغم أن عون لم يذهب إلى سورية رسمياً وشخصياً منذ انتخابه، ولا فعل كذلك باسيل، إلا أن المتغيرات التي تعيشها سورية حالياً، في ضوء انفتاح عربي عليها «وقبول» غربي بوضع النظام السوري، تجعل من كليهما في سعي دائم إلى الحفاظ على علاقة جيدة معها والإصرار على توجيه رسائل ايجابية نحوها خصوصاً في المرحلة الأخيرة.

ودمشق تحاول بدورها استقطاب ما يمكن استقطابه، في إطار تعزيز دورها في لبنان بعد مرحلة تَصاعُد النفوذ الإيراني المباشر.

ففي فترة زمنية واحدة، انعقد لقاء درزي لشخصيات سياسية ودينية من حلفاء سورية، في دمشق مع الرئيس بشار الأسد.

وهذا اللقاء يحمل دلالات لبنانية داخلية، لاسيما أنه سبق لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن عقد لقاءَ ترتيبِ أوضاع البيت الدرزي الداخلي مع النائب طلال ارسلان ورئيس حزب التوحيد العربي الوزير السابق وئام وهاب.

وإرسلان ووهاب، في لقائهما مع الأسد أخيراً، إنما رسما حدوداً فاصلة بين الاتجاه الداخلي والاستراتيجي، في تظهيرِ التنسيق مع الأسد، في مرحلةٍ يعول عليها الأخير، في زيادة لقاءاته اللبنانية لقوى 8 مارس، بعد لقائه وفداً نيابياً من شخصيات وأحزاب هذا الفريق عُقد في يونيو الفائت.

وكان الرئيس السوري حريصاً على توجيه رسائل واضحة عن عمق العلاقة مع القوى اللبنانية الحليفة. لكن حتى الآن لا تزال اللقاءات محصورة على مستوى وزاري ونيابي من دون أن تظهر علناً على الأقل لقاءات على مستوى الصف الأول لحلفاء سورية في دمشق.

ومع تشكيل حكومة جديدة، يصبح ملف العلاقة مع سورية أكثر حساسية، خصوصاً ان ميقاتي ليس بعيداً عن سورية بل إن دخوله السياسة جاء على يد علاقته بها.

لذا يمكن انتظار ما ستفعله الحكومة العتيدة وتتخذه من مواقف تجاه سورية في قضيتين أساسيتين، النازحون السوريون، وهو الملف الذي يريد العهد منذ انفجاره التنسيق مع سورية لإعادة النازحين الى بلادهم، وهو الذي يستقطب أهمية لأنه سيتحوّل كذلك عنواناً في خوض الانتخابات النيابية المقبلة التي بدأ حلفاء سورية يستعدّون لها ورسم معالم المرحلة المقبلة من بوابتها.

أما الملف الثاني فهو تطبيع العلاقات على مستوى سياسي وتفعيل العلاقات والحوارات الثنائية. وقد بدأ الأمين العام للمجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري يروّج لهذه السياسة المستجدة، بعد غياب طويل، إن لجهة الاتفاقات المعقودة أو لتظهير «التكامل السياسي»، في ضوء ما تعتبره سورية وحلفاؤها انتصاراً لخطها في لبنان.

من دون أن ننسى كذلك أن العلاقة الثنائية لا تتعلّق بالسياسة، فالاقتصاد عَصَب أساسي في تفعيل هذه العلاقة، مع توقيف الشاحنات اللبنانية في فترات متفاوتة على الحدود، ورفْع الرسوم على مرورها، وتفاؤل بعض الاقتصاديين ورجال الأعمال بإمكان أن تكون مرحلة إعمار سورية تمر عبر لبنان والاستفادة منه.

والأهمّ مصير الأموال التي طالب الأسد بها بعدما أعلن أن تجميد هذه الأموال في المصارف اللبنانية أهم عائق في وجه الاستثمار في بلاده