Site icon IMLebanon

ميقاتي “يفاوض” الداخل والخارج لحماية مهمّته الشائكة

 

عشية الجلسة التي ينطلق معها رسمياً «قطارُ» عملِ الحكومة الجديدة، بدا رئيسها نجيب ميقاتي وكأنه يحاول نزْع أي فتائل يمكن أن تَزرع طريقها الشائك بـ «مفخخات جانبية» تضاف إلى «حقل الألغام» الذي وُلدت على ضفافه في لحظةٍ «انتقالية» إقليمية.

ولم يكن عابراً أن الساعات الفاصلة عن جلسة مجلس الوزراء اليوم، حفِلتْ بسلسة لقاءات وزيارات ومواقف كان محورها ميقاتي الذي يسعى لملاقاة ما يشبه «المنطقة الآمنة» التي وفّرت لحكومته «ممر طوارئ» خارجياً لتبصر النورَ، بـ «جسرٍ» لبناني بأقلّ عوائق لتحقيق ما أمكن من روزنامة عملٍ أكمل مجلس الأمن الدولي «ختْمها»، وتبدأ بـ «تنفيذ الإصلاحات المعروفة والضرورية والملموسة بسرعة من أجل ضمان الدعم الدولي الفعال»، مروراً بـ «أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة في 2022 ووفق الجدول الزمني المخطط لها»، وصولاً «لضرورة إجراء تحقيق سريع ومستقل ونزيه وشامل وشفاف» في انفجار مرفأ بيروت، وليس انتهاءً بالمطالبة باحترام «إعلان بعبدا» واعتماد سياسة ملموسة للنأي بالنفس عن أيّ نزاعات خارجية.

 

وفي موازاة حركة السفراء التي استمرّت في اتجاه السرايا الحكومية، حرص ميقاتي على استباق «إقلاع» حكومته بزيارةٍ لرئيس البرلمان نبيه بري لضمان أن تسير السلطتان التنفيذية والتشريعية بـ «سرعة واحدة» في ورشة الإصلاح وقوانينه، وسط توقُّف أوساط سياسية عند مجموعة نقاط أثارها في كلامه بعد زيارة «عين التينة» (حيث مقر بري) كما في إطلالته التلفزيونية ليل الاثنين، وأبرزها:

• محاولة احتواء «الانتكاسة» الكبيرة التي تعرّض لها التحقيق في «بيروتشيما» مع تجميده الموقت بفعل كف اليد التلقائي للمحقق العدلي القاضي طارق بيطار لزوم انتظار بتّ محكمة الاستئناف في بيروت طلب ردّه عن الملف الذي تقدّم به الوزير السابق نهاد المشنوق في موازاة مسار قضائي آخر سلكه الوزير السابق يوسف فنيانوس بدعوى الارتياب المشروع التي تقدَّم بها ضد بيطار.

وعلى وقع اعتقادٍ واسع في بيروت بأن كبير المحققين في انفجار المرفأ بات بين «فكيّ كماشة» قضائية تسعى إلى تطييره بتكاتُف من غالبية القوى السياسية في موازاة «تهديد منقبعك» الذي أوصله إليه «حزب الله»، فإن ميقاتي ظهر أمس بتأكيده أنه «لا يجوز تغيير قاض مرة أخرى وأتمنى على القاضي بيطار أن يكون ملتزماً بالدستور» وكأنه يتهيّب الارتدادات المتدحرجة لأي إطاحة بالمحقق العدلي الثاني في قضيةٍ «لم يجف دمها» بعد ويواكبها الخارج عن كثب.

وكان بالغ الدلالات أن يأتي كلام ميقاتي بعد زيارة بري الذي يُعتبر مع غالبية مكوّنات البرلمان رأس حربة المعركة بوجه بيطار على خلفية ادعائه على رئيس حكومة (السابق حسان دياب) و4 وزراء سابقين وبينهم 3 نواب وقادة أجهزة أمنية وقضاة وإصداره مذكرة إحضار بحق دياب وتوقيف غيابي ضد فنيانوس ومحاولته الاستفادة من سقوط «درع» الحصانة النيابية حُكماً عن المشنوق والنائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر (حتى بدء الدورة العادية لمجلس النواب في 19 اكتوبر) لملاحقتهم على عكس رؤية البرلمان وقوى سياسية أخرى تعتبر أن الأمر من صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وأن أي استثناء في هذا الإطار يجب أن يشمل تعليق الحصانات كلها حتى على رئيس الجمهورية ميشال عون.

وفي رأي الأوساط نفسها، أن السلطة السياسية يلائمها تجاه الخارج إبقاء مهمة بيطار ولو على طريقة «لا معلّق ولا مطلّق» بمعنى أن تأكل مهلة بت طلب رده الوقت الفاصل عن استعادة النواب حصاناتهم، وتفادي الأضرار الكبرى لأي تنحية له ولاسيما أن «الهجمة بالدعاوى المتسلسلة» ضدّه كفيلة بوضع العصي في دواليب التحقيق ومساره أقله ريثما تكون الحكومة ثبّتت أقدامها بالحدّ الأدنى.

• تأكيد ميقاتي أن لا مشكلة مع الرئيس عون في ما خص وفد التفاوض مع صندوق النقد الدولي موضحاً «طريقة عملي تتحدد دائماً وفق الهدف المرجو، وهدفنا انجاح المفاوضات، بغض النظر عمن سيقوم بهذه المفاوضات، وفي النهاية أنا رئيس الحكومة، والمَسائل ستصب عندي ولا شيء سيُقر إلا بموافقتي».

وجاء كلام رئيس الحكومة على وقع مناخاتٍ، عبّرت عنها إشارات «متعمّدة» من قصر بعبدا اتخذت شكل لقاءات ترأسها عون في حضور ميقاتي ووزراء معنيين واستشاريين تحت عنوان التحضير للمفاوضات مع صندوق النقد وتحديد مَن سيتولاها من الجانب اللبناني وذلك بوصف عون «القائد الأعلى» لهذه المفاوضات ارتكازاً على المادة 52 من الدستور التي سبق أن أثارت «معركة صلاحيات» في أكتوبر 2020 بين رئيس الجمهورية ودياب على خلفية تشكيل عون الوفد الذي انطلق في مفاوضات الترسيم البحري مع إسرائيل.

ويسود انطباعٌ بأن جلسة مجلس الوزراء اليوم قد تشهد «أخْذ علم» الحكومة بالوفد الذي أشارت تقارير إلى أنه جرى التوافق عليه بين عون وميقاتي برئاسة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي وعضوية وزير المال يوسف خليل ووزير الاقتصاد أمين سلام وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة ومستشاريْن محسوبيْن على فريق عون مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام توسيعه.

• إعلان ميقاتي تعليقاً على إمكان زيارته سورية «تحكم علاقتنا بسورية عوامل تاريخية وجغرافية عدة وعلاقات جوار وكل شيء. ولا يمكن أن أعرّض لبنان لأي عقوبات جراء أي علاقة مع أي شخص.

همي لبنان، واذا كانت الزيارات لا تنطبق عليها أي عقوبات، لا مانع بتاتاً من زيارة سورية والتعاون معها، أما إذا كان الأمر سيعرض لبنان لأي مخاطر، فلا يمكن أن أسمح بأن يتعرض لبنان بوجودي للمخاطر».

وترافق كلام ميقاتي مع اضطلاع الأردن الذي يستعيد علاقاته بدمشق بدور محوري في تأمين نقل الكهرباء الأردنية والغاز المصري إلى لبنان عبر سورية لمعالجة الأزمة الكهربائية الكارثية في «بلاد الأرز». وإذ بحث رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة، مع وفد وزاري سوري إمكان تسريع وتيرة نقل الغاز المصري والكهرباء إلى «بلاد الأرز»، كشفت وسائل إعلام محلية أن فريقاً فنياً مشتركاً من وزارة النفط والثروة المعدنية السورية ووزارة الطاقة اللبنانية بدأ بالكشف على خط الغاز العربي، بدءاً من محطة الدبوسية عند الحدود السورية – اللبنانية، وصولاً إلى محطة دير عمار (شمال لبنان)، على أن يُصدر تقريره حول الجهوزية الفنية للخط في الجانب اللبناني، عند الانتهاء من عمله.

• التزام ميقاتي إجراء الانتخابات النيابية ضمن المهلة الدستورية (غداة إعلانه أن 27 مارس سيكون موعدها عوضاً عن 8 مايو)، لافتاً في موضوع «لغم» اقتراع المغتربين وانتخاب 6 ممثلين لهم (نائب لكل قارة) والذي يشي بمحاولة للإطاحة بحقهم بالمشاركة في انتخابات 2022 «أن هناك لجنة في مجلس النواب تقوم بالاجتماعات اللازمة، وعندما سيُطرح موضوع المهل للبحث في البرلمان، حتماً ستثار من بعض الكتل مسألة النواب الستة، وإذا كان سيتم الابقاء على هذا البند أو إلغاؤه».

• قول ميقاتي رداً على سؤال حول هل سيقوم بزيارات لدول الخليج وتحديداً السعودية، «في الوقت الحاضر لا مواعيد سفر لدي.

لقد تلقيت دعوات عدة من بعض الدول العربية، ولكن أنا في انتظار أن أنهي بعض الأمور الداخلية ومن ثم التوجه الى الدول العربية».

وأتى هذا الكلام، ليكرّس نفي مصادر قريبة من ميقاتي سابقاً أن يكون على جدول زياراته الخارجية محطات وشيكة في دول خليجية، وسط عدم تبدُّل اقتناع أوساط عليمة في بيروت بأن هذه الدول تشكل «الرافعة» الأساسية لأي مسار إنقاذٍ وهو ما يبقى دونه معالجة المسببات السياسية لنأيها عن الواقع اللبناني ربْطاً بانجرافه نحو «المحور الإيراني» وتمكين «حزب الله» محلياً.

وكان ميقاتي أكد في إطلالة تلفزيونية أنه لن يسمح بأن يكون لبنان «منصة لازعاج العالم العربي وضد إخواننا العرب بأي شكل ويجب أن ينأى بنفسه عن الخلافات ويبني علاقات جيدة مع المجتمع الدولي والبلدان العربية»، مكرراً في ما خص إدخال المحروقات الإيرانية إلى «حزب الله» عبر سورية «أنا حزين على استعمال معابر غير شرعية لانتهاك سيادة لبنان».

* كشْفه في معرض الحديث عن مضمون محادثاته يوم الجمعة الماضي مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون «أن الأخير كان مصرّاً على موضوع الإصلاحات، وأنا كنت صريحاً معه في شأن ما يمكن تنفيذه من الإصلاحات وما لا يمكن تنفيذه».

وفي حين عكس هذا الكلام استشعار رئيس الحكومة بصعوبة إمرار إصلاحات ذات ارتدادات على الواقع المعيشي للبنانيين الذين يتقلبون على سلّم الفقر (مثل إصلاح الإدارة وترشيقها) وسط انطباعٍ بأن بعض الإصلاحات «الحارقة» قد يُترك لما بعد الانتخابات، فإن المسؤول عن متابعة تنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر» السفير بيار دوكان سيبدأ بعد غد من بيروت بمعاينة أداء الحكومة الجديدة وتحديداً في موضوع التفاوض مع صندوق النقد وقابلية الأطراف السياسية على التفاهم على «لغة واحدة» لمخاطبته بخطة متوافَق عليها.

وفي موازاة هذه الزيارة، كشف موقع «لبنان 24»، أن بعثة من شركة كهرباء فرنسا ستصل أيضاً لاعداد تقرير عن سبل إصلاح قطاع الكهرباء، وفق ما اتفق عليه ماكرون وميقاتي.
https://www.alraimedia.com/article/1556060/خارجيات/ميقاتي-يفاوض-الداخل-والخارج-لحماية-مهمته-الشائكة