Site icon IMLebanon

وجه آخر للأزمة الحكومية: “خدمات” و”صفقات” متبادلة

كتب جورج شاهين في “الجمهورية”:

في انتظار لحظة تقاطع إقليمية ـ دولية تُنتج مخرجاً لمسلسل الأزمات، تتعدد الحروب الصغيرة بين ساحة النجمة وقاعات السرايا الحكومية. وإن كانت المواجهة في ساحة النجمة توحي بمزيد من الفشل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فإنّ من قاعات السرايا تفوح رائحة الخدمات والصفقات المتبادلة بطريقة غير مباشرة على رغم من تغليفها بنزاع بين مَن يدّعي حماية الميثاقية وآخر يتمسّك بصلاحيات رئيس الحكومة. وعليه، ما الذي يدلّ الى هذه المعادلة؟

خلف المواجهة الشكلية القائمة بكافة مظاهرها التصعيدية بين مدّعي الدفاع على صلاحيات رئيس الجمهورية واستعادة الميثاقية المفقودة والتنبيه من مخاطرها على المشاركة بين اللبنانيين من جهة، وبين المدّعين بحماية صلاحيات رئيس الحكومة ومراعاة مصالح اللبنانيين وحاجتهم الى الطاقة الكهربائية في ظل الازمة القائمة من جهة اخرى، هناك ما يقود الى وجود نوع من «الخدمات» المتبادلة والمصالح المشتركة بين مَن يدّعي الخصومة على خلفيات تفوح منها «الديماغوجية القاتلة» من الطرفين، والتي فرزَت اللبنانيين فئتين أو أكثر يخوضون أشرس المواجهات دفاعاً عن هذا الفريق او ذاك من دون التنبّه الى كثير من المعطيات التي قادت الى التضحية بمصالحهم الحيوية ومدّخراتهم المالية التي باتت في اولى سلّم ضحايا المنظومة الفاسدة التي ما زالت تتحكم بالدولة العميقة.

ليس في ما سبق من معادلة هجينة، او ما يمكن اعتباره «قراءة في الفنجان» ولا في الخلفيات المضمرة خلف المواقف التصعيدية التي قسمت اللبنانيين الى شوارع. ولذلك لا يخفى على المراقبين المحايدين الرافضين ان يكونوا وقوداً في هذه المواجهة المفتوحة على شتى الاحتمالات، والتي لا تخدم سوى طرفيها الساعين الى تحسين مكاسبهم ومواقعهم في ما تبقى من مؤسسات إدارية ودستورية يسعى القائمون عليها الى استنزاف ما تبقّى من مقوماتها ومعها من الاحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان لإنفاقها في «آتون مؤسسة كهرباء لبنان» التي لم تتمكن يوماً من رَد سلفة مالية واحدة وضعت اليد عليها منذ اكثر من ثلاثة عقود او الايفاء بالتزامات قطعتها على نفسها، وصولاً الى إهدار اكثر من 44 مليار دولار احترقت في مداخن مصانع الطاقة بلا مردود يساويها.

وكل ذلك أدّى الى تدمير المؤسسة بعد فقدانها منشآتها ومقرّها الذي دمّر نتيجة تفجير مرفأ بيروت وانعدام التوازن المالي الذي قامت على اساسه، الى أن باتت تساوي في إمكاناتها وموجوداتها وقدراتها الإنتاجية «الصفر» في تقدير العالمين المحلي والدولي بعد ما تخلّت عن دورها وخدماتها لمصلحة دويلة أخرى نشأت على أنقاضها من مالكي المولدات الكهربائية المنتشرة بين الأحياء السكنية، الى درجة أنتجت فئة جديدة من عالم الأعمال قامت وباتت توحي بالاقتراب من إعلان الدولة «دولة مارقة ومُفلسة» نتيجة فقدان أبسط خدماتها، ليس على مستوى الطاقة فحسب وإنما على كل المستويات الاجتماعية والطبية والتربوية والإنسانية التي افتقدها اللبنانيون منذ ثلاث سنوات تدريجاً، فانعكست نتائجها السلبية على حياة اللبنانيين والمقيمين على اراضي الدولة اللبنانية.

وفي التفاصيل المُملّة المتصلة بهذه الحالة، لا يمكن للمراقبين المحايدين عند التوغل في عمق المواجهة الاخيرة التي انطلقت تحت شعار تأمين الطاقة الكهربائية للبنانيين، التوصّل الى مرحلة تظهر فيها حجم الخدمات المتبادلة بين الطرفين الى حدود «التواطؤ الصامت» الذي لم يعد إخفاؤه ممكناً انطلاقاً من قراءة دقيقة ومُبسّطة للمواقف من جلسة حكومة تصريف الاعمال كما جرت أمس، والتي يمكن الاشارة اليها بالوقائع الآتية:

– أظهَر الفريق الاول الذي يقوده رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وحلفاؤه قدرته على التمسّك بصلاحياته وتضخيمها في الشكل الذي يراه مناسباً. بعدما سجّل ما يكفي من التنازلات لتأمين حضور وزيرَي «حزب الله»، ووزيرين من فريق الرافضين علناً لممارساته، أحدهما وزير الإقتصاد أمين سلام بوضع بند يعنيه على الجلسة وآخر قرر الخروج على مضمون توقيعه على المراسيم الجوالة الخاصة بملف الكهرباء مُتجاهلاً مواقف زملائه المُنتفضين تحت شعار «حماية صلاحيات الرئيس الماروني». وتبيّن عملياً انّ ميقاتي قادر على تجاوز احتمال انسحاب وزيري الحزب متى انتهى البحث في ملف الكهرباء، قبل ان يظهر أنهما قررا المواجهة باستمرار حضورهما الى نهايتها في رَد مباشر على تهديدات الرئيس ميشال عون بِوَضع «تفاهم مار مخايل» في «سلة المهملات» وصهره رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الذي نعى الميثاقية.

– سجّل الفريق الثاني الذي يتقدمه باسيل موقفاً تصعيدياً على الساحة المسيحية دفعَ بالبعض الى التضامن معه قبل ان يظهر أنّ مفاعيله العملية لم تتعدّ إطلاق «بالون هيليوم» في الهواء. فأنجَز خليفته في وزارة الطاقة وليد فياض مختلف المراسيم المطلوبة منه موقّعة من مجموعة الوزراء الرافضين، وتركَ الحرية لرئيس واعضاء مجلس ادارة مؤسسة كهرباء لبنان بالمشاركة في الجلسة لتأمين ما يمكن تأمينه من المال العام مع تَمنّيه أن يحصل على ما يقارب الستمئة مليون كاملة للأشهر الستة المقبلة ولتأمين 8 أو 10 ساعات من النور، مع علمه المُسبق بفشله المُحتّم بجمع فواتير الطاقة من أكثر من نصف لبنان، وخصوصاً في مناطق معروفة بجغرافيتها وديمغرافيتها حيث تستحيل الجباية الكاملة ومعها مخيمات النازحين واللاجئين التي تستهلك أكثر من ثلث إنتاج الطاقة من دون مردود مالي، ليتعذّر عليه لاحقاً رَد ما استلَفه من أموال المودعين في مصرف لبنان، فتتبخّر ملايين الدولارات مرة جديدة كما عشرات المليارات التي ضاعت في السابق.

وما بين هاتين القوتين المتنازعتين في العلن، يقف العاجزون عن التدخل من قوى سياسية وحزبية لا تمثيل لها في الحكومة يتفرجون على أكبر عملية سرقة منظمة ومقَوننة للمال العام، واكبر عملية خرق للدستور والقوانين المرعية الاجراء وصولاً الى ما يمكن تسميته بأكبر عملية تزوير عند بلوغ مرحلة ترجمة ما سيتقرر في جلسة الحكومة الى مراسيم ستنشر في الجريدة الرسمية كما ولو أنها مراسيم نظامية تراعي الأصول الدستورية والقانونية. وهو أمر يتكرّس عندما تستعير الامانة العامة لمجلس الوزراء توقيع وزير الطاقة من المراسيم الجوالة التي أعدها لتستخدمه في مراسيم أخرى تُعدّها. وهي مَمهورة بتوقيع وزير المال والتوقيع المُستنسخ لوزير الطاقة المنقول من المراسيم الجوالة الى مرسوم آخر في شكله وآلية إصداره. والاخطر ان رئيس الحكومة سيوقّعه شخصياً بالانابة عن مجلس الوزراء، مُتبنياً «الإجماع الحكومي» بعدما جمعَ مرسومين منفصلين أحدهما وقّعه الوزراء المقاطعون للجلسة على خلفية انه «مرسوم جوّال»، فأعطاه صفة دستورية لا يستحقها بعد نقل تواقيع الوزراء السبعة منه ليترجمها بتوقيعه منفرداً باسمه كرئيس للحكومة مرة اولى وثانية بالانابة عن «مجلس الوزراء مجتمعاً»، بِمَن فيهم الوزراء المشاركون في الجلسة والمقاطعون لها، بعد ان انتقلت إليه صلاحيات رئيس الجمهورية في بدعة لم يعرفها لبنان من قبل.

وبعد ثبوت عملية التزوير بوجود مرسومَين مختلفين لغاية واحدة والتي تقبّلها طرفا النزاع، يبقى لدى رئيس الحكومة ما يبرّر تصرفه «الخارق» على خلفية أنه لا يمكن لأي وزير «أن لا يوقع أي مرسوم إذا صدر بالأكثرية أو بالتوافق في الحكومة وفق ما نصّت عليه المادة 65 من الدستور». و»عندها على الوزير تنفيذه، وإذا فعل عكس ذلك يعني أنه يتحمّل مسؤولية العرقلة». لينتقل عندها الدستور الى دار الخلد رحمه الله؟!