كتب بديع يونس في “نداء الوطن”:
في الحياة السياسية، لا يكفي أن يكون الصوت عالياً كي يكون محقًّا، ولا أن تكون النوايا مُعلنة كي تكون صادقة. فالسياسة، خصوصًا وفي مدينة كبيروت، تحتاج إلى حدٍّ أدنى من المسؤولية الأخلاقية، وإلى التمييز بين النقد المشروع، وبين توظيف الشائعات في معارك انتخابية ضيّقة.
فخلال الفترة الماضية، تعرّض النائب فؤاد مخزومي لثلاث حملات اتهام علنية مترابطة وممنهجة من قبل النائبة بولا يعقوبيان. تنوعّت هذه الحملات في مضمونها، لكنها التقت في نقطة واحدة: غياب الدليل وثبوت البراءة، لتتحوّل “النائبة” إلى مصنع إشاعات دحضتها الوقائع.
“أبو عمر” النصّاب، قصة حقيقية “جذابة” تم فيها الزجّ بأسماء نواب جزافاً وتلقفتها “النائبة” فصوّبت عليها إعلامياً عبر مواقع تابعة لها لتحاول اغتيال خصومها السياسيين، ومحاولة استفزازهم لاحقاً علناً وصولا حد فبركة “الإصبع الأوسط” للتأثير في “الإصبع الانتخابي” ولعب دور الضحية كـ “امرأة”، ضد نائب تتبوأ المرأة في حياته العملية والسياسية مناصب وأدوار أساسية.
روّجت “النائبة” لقيام مخزومي بحركة مسيئة تجاهها خلال جلسة من جلسات اللجان البرلمانية بسبب قضية “أبو عمر النصاب”، سوّقتها وروجّت لها قبل أن تسقط الرواية – الشائعة التي لم تُثبت صحتها لا بالكاميرات ولا بالشهود ولا بأي توثيق يذكر. جلّ ما في الأمر كان حملة مشتركة بين حزب الله وإعلامه و”النائبة” عن بيروت في إطار تقاطع مصالح ضيقة إن لم نقل تعاونا استراتيجياً مبطناً للمكرّمة يوماً بالصوت والصورة من قبل حزب الله.
لم تستسلم “النائبة” للوقائع وسقوط الرواية – الشائعة، بل حاولت فبركة أخبار صادرة عن بكركي مفادها أنّ البطريرك الراعي وجه رسالة “حازمة” للنائب مخزومي خلال لقائهما بعنوان “المرأة في الحياة السياسية تستحق الاحترام الكامل”.فخرج المكتب الإعلامي لبكركي “نافياً” صحة الخبر المنشور أو توجيهه أي رسالة من هذا النوع للنائب مخزومي، ومتمنياً على وسائل الاعلام “نقل الاخبار بدقة وأمانة”.
بعد تلك الإشاعتين “المكَذَّبتين”، روّجت “النائبة” كما إعلام حزب الله لإسم النائب مخزومي ضمن لائحة “ضحايا” أبو عمر النصّاب. مقصد غير بريء في قضية يراد منها باطل، لكن هذه المرة كان القضاء هو الفيصل في دحض “شائعات النائبة”.
فبعد أن أصبحت قضية “أبو عمر” تتفاعل في الساحة اللبنانية، لاسيما مع قرار النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار توقيف الشيخ خلدون عريمط على ذمّة التحقيق، وتردد معلومات عن لائحة طويلة من الشخصيات السياسية والعاملة في الشأن العام التي سيتم الاستماع الى إفاداتها في سياق التحقيق الجاري، شهد النائب مخزومي أمام القضاء في القضية حيث كرّر بوضوح أمام المدعي العام أنه لم يكن ضحية، ولم يدفع قرشاً واحداً لا لأبو عمر ولا لأي شخص يقف خلفه. أما علاقة النائب مخزومي بمشايخ دار الفتوى، فمحصورة “حصراً” عبر صندوق صحي أنشأه منذ ثلاث سنوات لتغطية الاستشفاء، ويُعامل فيه كل شيخ بالتساوي من دون أي تمييز”.
السؤال الجوهري: لماذا تكرار الاتهام من قبل “النائبة” مع سقوط كل محاولات التشويه والبلبلة؟ فحين تتكرر الاتهامات، وتسقط تباعًا، يصبح من المشروع طرح سؤال سياسي لا شخصي: هل نحن أمام أخطاء تقدير متتالية، أم أمام استخدام واعٍ للشائعة كأداة تعبئة انتخابية في بيروت؟
هذه المدينة التي تعاني من الانهيار، ومن فقدان الثقة بالسياسة، لا يملك فيها أي نائب ترف تحويل المنابر إلى ساحات تصفية حسابات، ولا ترف تسويق روايات غير مثبتة لجذب جمهور غاضب أو محبط. وللنائبة بولا يعقوبيان نصيحة بـ”أن إنصاف الخصم ليس ضعفًا”، يمكن لها معارضة خطّه السياسي السيادي المطالب بحصر السلاح ومساعيه العربية والدولية لنهضة لبنان وتقوية الدولة إذا لم تتوافق مطالبه مع أجندتها السياسية، ولا يعفيه كنائب من أي نقد مشروع، أما إطلاق الشائعات من قبل مسؤول فلا تليق بهذا الموقع وتحوّله إلى “غير مسؤول”.
فالمباشرة لا تعني القسوة، لكن الصراحة واجبة: فالرهان على الشائعات، مهما كان ظرفها الانتخابي مغريًا، يضعف صدقية الخطاب الإصلاحي بدل أن يعزّزها.
وبيروت، التي تستحق معركة سياسية على البرامج والرؤى، لا تحتاج إلى معارك اتهام تسقط واحدة تلو الأخرى.
في النهاية، السياسة ليست سباقًا في الاتهام، بل امتحانًا في النزاهة.

