Site icon IMLebanon

هل خرج لبنان من دائرة الخطر؟

كتبت سحر ضو في “اللواء”:

ليس السؤال اليوم إن كان اللبنانيون يريدون الحرب أو يخشونها، فهذا محسوم منذ زمن. السؤال الحقيقي، والأكثر خطورة، هو: هل خرج لبنان فعلاً من دائرة النار، أم دخل مرحلة أكثر تعقيداً من «اللا حرب» التي تُشبه الهدوء قبل العاصفة؟

التصريحات الرسمية مطمئنة، اللغة الدبلوماسية ناعمة، والوساطات الدولية ناشطة. لكن في الجغرافيا السياسية، لا يُقاس السلام بالكلام، بل بتغيّر السلوك، ولا تُحسم الحروب بالتصريحات، بل بتبدّل الحسابات.

حين يُقال إن «شبح الحرب زاح عن لبنان»، يفترض ذلك توافر ثلاثة عناصر: قرار إسرائيلي بعدم الذهاب إلى مواجهة، قدرة لبنانية على ضبط ساحة الجنوب، ومظلّة دولية قادرة على فرض الاستقرار. أي خلل في أحد هذه الأضلاع، يُعيد الشبح فوراً، ولو بدا مختفياً في العلن.

القراءة الباردة للمشهد تكشف فجوة واضحة بين الخطاب والواقع. على الأرض، لا انسحاب إسرائيلي كاملاً من مناخ الاشتباك، ولا توقف للانتهاكات الجوية والبرية، ولا تغيير جذري في قواعد الاشتباك التي باتت أكثر مرونة لإسرائيل وأقل طمأنينة للبنان. ما تبدو عليه الساحة ليس سلاماً، بل إدارة مدروسة للتصعيد، تُبقي النار تحت السيطرة من دون إطفائها.

إسرائيل، من جهتها، لا تُخفي مقاربتها. هي لا تريد حرباً شاملة مع حزب الله في هذه المرحلة، لا كرماً ولا تراجعاً، بل حساباً. المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خارجة من حرب استنزاف طويلة، الجبهة الداخلية حسّاسة، والعمق الاقتصادي لا يحتمل صواريخ بالآلاف. لكنها في المقابل، ترفض أي معادلة تُكرّس قوة حزب الله كأمر واقع دائم على حدودها الشمالية. لذلك تعتمد سياسة «الضغط تحت العتبة»: ضربات موضعية، رسائل نارية، واستنزاف محسوب، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة إلّا إذا فُرضت عليها.

أما لبنان الرسمي، فيعيش معضلة مزدوجة. يريد التهدئة، لكنه لا يملك وحده قرار الحرب والسلم. يراهن على الدبلوماسية، لكنه يعرف أن الضمانات الدولية ظرفية وليست تعاقدية. ويخاطب الخارج بلغة الدولة، فيما ساحة الجنوب محكومة بتوازنات إقليمية تتجاوز بيروت. من هنا، يصبح الحديث عن «إبعاد شبح الحرب» الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية اللبنانية بتاريخ ٢٦/١٢/٢٠٢٥ أقرب إلى وصف لحظة سياسية منه إلى توصيف واقع استراتيجي مستدام.

الأخطر أن المشهد لا يُقرأ من الجنوب فقط. فلبنان ليس جزيرة معزولة عن المنطقة. ما يجري في غزة، وما يُطبخ في كواليس التفاوض حول النووي الإيراني، وما تخوضه إسرائيل من حرب تكنولوجية واستخباراتية متعددة الساحات، كلها عناصر تُمسك بفتيل الجبهة اللبنانية. حزب الله، بدوره، ليس فاعلاً محلياً فقط، بل جزء من معادلة إقليمية كبرى، تحكمها أولويات طهران بقدر ما تحكمها حسابات بيروت.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الهدوء النسبي عن حاجة دولية – أميركية وأوروبية تحديداً – إلى منع توسّع الحرب. الغرب لا يبحث عن سلام عادل بقدر ما يبحث عن استقرار يمنع الانفجار الكبير، خصوصاً في ظل أزمات الطاقة، والممرات البحرية، وتوترات الشرق الأوسط. لذلك تُمارس الضغوط لكبح الانفجار، لا لإنهاء أسبابه.

وهنا تكمن المفارقة: المنطقة ليست أقرب إلى السلام، لكنها ليست متجهة حتماً إلى الحرب… بعد. نحن في منطقة رمادية، حيث كل الأطراف تُمسك بالسلاح بيد، وبحسابات الردع بيد أخرى. وكل طرف ينتظر خطأ الآخر، أو تغيّر المشهد الإقليمي، ليعيد خلط الأوراق.

القول إن شبح الحرب زاح عن لبنان هو قول ناقص. الأدق أن نقول إن الحرب مؤجّلة، مُدارة، ومشروطة. شبحها لم يخرج من الغرفة، بل جلس في الزاوية، يراقب. أي تصعيد مفاجئ، أي اغتيال نوعي، أي انهيار في التوازن الإقليمي، كفيل بإعادته إلى الواجهة.

اللبنانيون لا يعيشون سلاماً، بل هدنة بلا ضمانات. والإسرائيليون لا يعيشون طمأنينة، بل ردعاً هشّاً. وبين الطرفين، تلعب القوى الدولية دور الإطفائي الذي يمنع الحريق من التمدد، لا من الاشتعال.

الخلاصة القاسية، لكن الواقعية: لبنان لم يخرج من دائرة الخطر، بل دخل مرحلة أخطر… مرحلة الوهم بالاستقرار.

وفي الجغرافيا السياسية، لا شيء أخطر من الاطمئنان الزائد في منطقة لم تُحسم فيها أسباب الحرب.