كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:
صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية منشغلة بجبهات عدة في العالم، وأن الرئيس دونالد ترامب يجهد لإرساء عصر سلام أميركي في مختلف أنحاء العالم ولو من باب الحروب والمواجهات أحيانًا، لكن الصحيح أيضًا أن لا أحد يقارعه الدور في منطقة الشرق الأوسط، فلا روسيا قادرة على التأثير الجدي الواسع لا سيما في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا، ولا أوروبا تريد أو تستطيع لعب أي دور بمعزل عن الغطاء الأميركي، وهي التي تعاني أزمات متنوعة سواء بالنسبة للجموح الروسي نحوها غربًا أو بالنسبة للمشكلات الداخلية المتفاقمة والمرتبطة بالهجرة والاقتصاد.
أما في ما خص الصين الشعبية، فتكتفي بحضور محدود، سواء من خلال بعض الصفقات التجارية مع إيران أو من خلال بعض التقديمات المالية المشروطة لبعض الدول والتي تشهد تراجعًا ملحوظا منذ فترة. ولذلك يتصرف الرئيس الأميركي بمنحى أحادي في المنطقة، من دون أن يهمل التحدي الصيني الكبير لنفوذ بلاده في الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا وصولًا إلى المحيط الهادئ.
ولذلك، يصعب تصوّر أي محاولة فعلية لتحدي الخطة الأميركية للشرق الأوسط تحت عنوان “السلام الإبراهيمي” راهنًا، حتى من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وقت تبدو إسرائيل مع بنيامين نتنياهو وحتى مع سواه لاحقًا مرتاحة لدور الشرطي الإقليمي وإن بحجة الدفاع عن وجودها.
فأين لبنان وسط هذا المشهد بما يحفل من حسابات واحتمالات؟
تقول أوساط دبلوماسية غربية إن لبنان في صلب الخارطة الأميركية كموقع يتمتع بمواصفات استراتيجية نوعية جغرافيًا وأمنيًا وتواصليًا، على الرغم مما يعاني على صعد عدة، ولا يمكن للأميركيين أن يتركوه فريسة الفوضى والسلاح الذي يستقوي به أصحابه على الدولة. وهذا مغزى عنوان حصر السلاح، إذ لا مشكلة لدى إدارة الرئيس ترامب بتطبيق هذا العنوان فعليًا إن من خلال الضغط العسكري الإسرائيلي، أو من خلال حركة الحكومة اللبنانية لتنفيذ خطة الجيش اللبناني في هذا الصدد، مع توفير مواكبة ملموسة عبر العقوبات والإجراءات الأميركية في ما خص مكافحة تمويل “حزب الله” والسعي لتجفيف مصادر هذا التمويل وتعطيل شبكاته التي تتخطى نطاق الشرق الأوسط.
ولذلك، ينبغي فهم ما قاله السفير الأميركي الجديد في بيروت ميشال عيسى والذي قد يكون مر مرور الكرام لدى البعض، إذ لم يكتفِ بالقول إن نزع سلاح “حزب الله” هو أولوية أساسية بالنسبة لبلاده، بل أكد أن نزع هذا السلاح ليس خيارًا للبحث إنما يشكل شرطًا ضروريًا للحفاظ على سيادة لبنان. والأهم أنه استعجل نجاح الدولة اللبنانية في حصر السلاح كخطوة مفتاحية لتوفير السلام ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة أيضًا، وهذا جوهر المسألة عبر الربط بين السلام في لبنان والسلام في الشرق الأوسط.
وتقول الأوساط نفسها إن لقاء الرئيس ترامب برئيس الحكومة الإسرائيلية لم يغيّر الكثير في النظرة المشتركة إلى إيران و”حزب الله”، لا سيما في ما خص ما يعتبرانه “حاجة” لمنع إيران من التصرف وكأنها الوصية على هذه الدولة أو تلك من خلال “حزب الله” كوكيل باسمها في لبنان أو من خلال الحشد الشعبي في العراق. وتاليًا إن سلاح “حزب الله” يجب أن ينتهي دوره كعامل في خدمة السياسة الإيرانية الخارجية، مع العلم أن “الحزب” في التقويم الرسمي الأميركي هو “منظمة إرهابية” تهدد الاستقرار الإقليمي.
وتلفت الأوساط إلى أن واشنطن لن تترك إيران مرتاحة في انصرافها لإعادة تعويم برنامجها النووي واستعادة برنامجها لإنتاج وتطوير الصواريخ البالستية، ولن تتردد في تنفيذ ضربات جديدة عندما ترى ذلك مناسبًا، علمًا أنها، وبحسب المعلومات، تدرك أن البرنامج النووي الإيراني تعطل بنسبة كبيرة ويحتاج وقتًا طويلًا نسبيًا لاستعادة زخمه وصولًا إلى المرحلة التي كان قد بلغها، وفي رأي الأوساط إذا كان البرنامج النووي الإيراني من اختصاص الأميركيين، فإن البرنامج الصاروخي الإيراني من اختصاص الإسرائيليين لجهة تنفيذ ضربات محتملة تستهدفه بتنسيق لصيق مع القيادة العسكرية الأميركية. مع الإشارة إلى أن الأصابع الأميركية ليست غائبة عن التحركات الشعبية الاعتراضية في عدد من المدن الإيرانية، والتي قد تشهد تصعيدًا في حال وجدت واشنطن في ذلك ضغطًا جديًا على سلطات طهران.
وتتوقف الأوساط الدبلوماسية الغربية عند تطور ملفت في مغزاه ويتمثل بإعلان وزارة الدفاع الأميركية التوصل إلى عقد بين إسرائيل وشركة بوينغ الأميركية بقيمة 8.6 مليارات دولار لتصنيع 25 طائرة مقاتلة قاذفة من طراز F-15 بإمكانات متطورة، مع احتمال التوصية على عدد مماثل لاحقًا. فصحيح أن هذا الطراز يعود في نسخته الأولى الى تسعينات القرن الماضي، لكن إصرار إسرائيل عليه بنسخة محدثة، يعكس رغبتها في استمرار السيطرة على أجواء الشرق الأوسط من خلال زيادة المدى الهجومي للطائرة وتعزيز تسليحها وتزويدها بأنظمة إلكترونية معقدة تكفل تفوقها في المواجهات أو في عمليات القصف الاستراتيجي، ما يعني أن إيران تبقى الهدف الأساسي، علمًا أن هذه الطائرة بنسختها الموعودة قادرة على تنفيذ عمليات قصف أوسع وأشد كثافة من تلك التي تستطيعها الطائرات الشبحية الأحدث من طرار F35 والتي استعملتها إسرائيل بكثافة في حربها الأخيرة مع “حزب الله”، ولا سيما في اغتيال قياداته وتدمير مراكزه المحصنة.

