IMLebanon

2026: من إدارة الأزمات إلى حسمها

كتب شارل جبور في “نداء الوطن”:

إذا استمرّ عام 2026 على الوتيرة التي افتتح بها أيّامه الأولى، فإن العالم يقف على عتبة تحوّل تاريخيّ قد يضع حدًّا لسلسلة الأزمات المزمنة التي أنهكته على مدى عقود. وليس الحديث هنا عن تمنيات أو قراءة رغبوية، بل عن مؤشرات سياسية وأمنية متراكمة توحي بأن منطق إدارة الأزمات بدأ يتراجع لمصلحة منطق الحسم وإنهاء الملفات المفتوحة.

لقد تعايش العالم طويلًا مع سياسة إدارة الأزمات، وقد أثبتت التجربة أن هذه السياسة كانت كارثة كبرى. ويكفي النظر إلى الحالة اللبنانية كمثال صارخ: فلو حُلّت الأزمة اللبنانية جذريًا عام 1990 عبر التطبيق الكامل لاتفاق الطائف، لما بقي جرح مفتوح استنزف الجهود الدولية وتحوّل لاحقًا إلى أزمة إقليمية بفعل أدوار “حزب اللّه” المزعزِعة للاستقرار. وما ينطبق على لبنان ينسحب على القضية الفلسطينية وسواها من الأزمات التي جرى تجميدها بدل حلّها. من هنا، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتخذ قرارًا استراتيجيًا بالانتقال من إدارة الأزمات إلى حسمها.

في اليوم الثاني من السنة الجديدة، وجّه الرئيس الأميركي رسالة غير مسبوقة إلى الشعب الإيراني، واضعًا النظام في طهران أمام معادلة واضحة: إمّا التوقف عن قمع المحتجّين، أو مواجهة ردّ أميركيّ عسكريّ مباشر في حال الاستمرار باستخدام القوّة. ولم يكن هذا الموقف مجرّد تضامن لفظيّ، بل كان إعلانًا سياسيًا صريحًا يشرعن حق الإيرانيين في إسقاط نظام أفقرهم وجوّعهم وصادر دولتهم لمصلحة مشروع توسّعي عابر للحدود. والأهمّ في هذا الموقف أنه كسر القاعدة التي حكمت تعامل الغرب مع إيران لعقود، والقائمة على الاكتفاء بالعقوبات وبيانات الإدانة وترك النظام يتكيّف ويتأقلم.

وفي اليوم الثالث من السنة، جاء الحدث الأكثر دلالة: تنفيذ عملية نوعيّة أدّت إلى خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، بعد إنذارات أميركية متكرّرة طالبت بوقف تحويل فنزويلا إلى منصّة لتجارة المخدّرات وتبييض الأموال وتمويل الشبكات الإجرامية العابرة للقارات. الرسالة هنا مزدوجة: لم يعد ممكنًا الاحتماء بالسيادة الشكلية، ولم يعد مقبولًا أن تتحوّل الدول إلى أدوات في اقتصاد الجريمة المنظمة تحت أنظار المجتمع الدولي.

هذه التطوّرات لم تأتِ من فراغ، بل أعقبت قمّة واضحة المعالم جمعت الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ومن الواضح أن ثمّة قرارًا استراتيجيًا بإنهاء أزمات الشرق الأوسط، لا عبر تسويات هشة، بل من خلال ضرب البُنى المالية والعسكرية لمحور الممانعة. وفي هذا السياق، لم تكن فنزويلا سوى أحد الشرايين الحيوية لتمويل هذا المحور عبر تجارة المخدّرات وغسل الأموال، ما يفسّر إدراجها في سلّة الحسم.

واللافت أن هذه الاندفاعة تتقاطع مع حسابات داخلية لكلّ من واشنطن وتل أبيب. فالرئيس الأميركي يسعى إلى استثمار السنة الثانية من ولايته لإنهاء حروب الشرق الأوسط وحرب أوكرانيا قبل أن تفرض الاستحقاقات الداخلية نفسها في السنتين الأخيرتين، فيما يخوض نتنياهو معركة انتخابية حاسمة في الخريف المقبل، ويريد فرض أمر واقع عسكريّ على محور الممانعة قبل هذا الاستحقاق. هذا التقاطع في المصالح يخلق لحظة سياسية نادرة يكون فيها القرار ممكنًا والتنفيذ متاحًا.

من هنا، تبرز الأسئلة الجوهرية: هل قرأت إيران جيّدًا معنى هذه الإشارات؟ هل أدركت أن حث ترامب المتظاهرين الإيرانيين ليس تفصيلًا عابرًا، وأن ما جرى في فنزويلا ليس حادثًا معزولًا؟ هل ستستمرّ في سياسة الهروب إلى الأمام، أم ستبدّل سلوكها قبل أن تجد نفسها في مواجهة جولة عسكرية ثانية وحاسمة؟ المؤشرات كلّها تؤكّد أن زمن المناورات وشراء الوقت انتهى إلى غير رجعة. الجولة الثانية مع “حزب اللّه” تبدو حتمية إذا لم يسلِّم سلاحه ويعلن انتهاء مشروعه المسلّح، وكذلك الجولة الثانية مع إيران إذا لم تُبدِّل سلوكها المزعزع للاستقرار، أو إذا لم ينجح الشعب الإيراني في إسقاط النظام القائم.

وبعيدًا من هذه الوقائع المباشرة، تفرض التجربة المعاصرة خلاصة أساسية: إن منطق التراخي الدولي، تحت شعارات ديمقراطية قيّدت القرار بدل أن تحمي منظومة القيم، أوقف إنتاج قادة تاريخيين وحوّل العالم إلى مساحة فوضى. فالأنظمة الديكتاتورية الفاسدة أنتجت دول مخدّرات وسلاحًا غير شرعي وشبكات فساد تمدّدت عبر الحدود، مستفيدة من ضعف الإرادة الدولية، وقد تكيّفت مع العقوبات وقرارات مجلس الأمن والعزلة، وواصلت تصدير المخدّرات والإرهاب وكأن شيئًا لم يكن.

من هنا، تبرز الحاجة إلى تغيير هذا النمط الذي اعتادته أنظمة الإرهاب، عبر اعتماد منطق الحسم بوضوح وعدالة، بوصفه الطريق الوحيد لإعادة الانتظام إلى النظام العالمي. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم ما يمكن تسميته بـ “الديكتاتور العادل” على المستوى الدوليّ: سلطة قرار لا تساوم على تطبيقه، ولا تسمح بتكيّف الخارجين عن القانون مع العقوبات أو الالتفاف عليها. وهذا يقود حتمًا إلى إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن، الذي تحوّل إلى منصّة شلل وخطابات، بدل أن يكون أداة تنفيذ. المطلوب مجلس أمن صارم، كلّ قرار يصدر عنه يكون قابلًا للتنفيذ، لا حبرًا على ورق.

إذا استمرّ هذا المسار، فإن عام 2026 قد لا يكون مجرّد سنة جديدة، بل عام الخلاص من سياسة إدارة الأزمات التي أدّت إلى تمدّدها واستفحالها، وبداية مرحلة يُعاد فيها تنظيم العالم على أسس جديدة، يكون عنصرها الحاسم هو الحسم، من دون المساس بالقوانين الدولية المتعلّقة بحرية الإنسان وكرامته وسيادة الدولة. فالعنصر الغائب منذ عقود، والذي استفادت منه دول الإرهاب والمخدّرات، هو الحسم، وقد أعاد ترامب تفعيله بوصفه الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية من الفوضى والتسيّب والقمع والإرهاب، وإنهاء المساكنة مع الأزمات.