IMLebanon

عيد الغطاس وتقاليده

كتب نبيل يوسف في “نداء الوطن”:

يقع عيد الغطاس في السادس من كانون الثاني، يعرف أيضًا بعيد الدنح. والدنح الكلمة سريانية الأصل “دنحو” ومعناها الظهور، أي ظهور الرب للعالم.

أما كلمة الغطاس فمشتقة من الغطس وقد يكون إشارة الى تغطيس السيد المسيح في نهر الأردن.

هو تذكار اعتماد السيد المسيح في نهر الأردن على يد القديس يوحنا المعمدان وحلول الروح القدس عليه في شكل حمامة.

كان هذا العيد قديمًا أهم من عيد الميلاد باعتباره يمثل الولادة الروحية الحقيقة، ولم يعرف مجتمعنا الاحتفالات المرافقة لعيد الميلاد إلا مطلع خمسينيات القرن المنصرم وكانت احتفالات بسيطة تطورت مع الأيام حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم. أما تقاليد عيد الغطاس فمتوارثة في قرانا منذ مئات الأعوام.

يمتاز عيد الغطاس بعادات كثيرة وان كان معظمها لم يعد معروفًا حاليًا، وأهم تلك العادات:

1 – صنع الحلويات:

تقبل ربات البيوت على اعداد عدة أصناف من الحلويات، الخاصة بهذا العيد مثل “الزلابية، المعكرون، العوّامات، أقراص بسمن وسكر”، وتقدم لأصحاب المنزل والضيوف.

2 – اعتقادات الناس:

ما زال الناس يؤمنون أنه في منتصف ليلة عيد الغطاس يطوف سيدنا يسوع المسيح على المنازل ليباركها. لذلك كانت تبقى أبواب البيوت مفتوحة أو “مشقوقة” بحيث أن الزمن زمن برد وصقيع، والمصابيح مشتعلة، والناس ساهرين منتظرين قدوم السيد المسيح. وان غفا أحدٌ سارع رفاقه لإيقاظه ليسجد للمسيح خلال مروره.

كانت تتلى بعض الصلوات تلك الليلة، والناس ساجدون لنيل البركة عند مرور المسيح، وكان الناس يوقدون النار في بيوتهم لشدة برد كانون ويلتفون حولها.

ومن الاعتقادات القديمة أن يستعمل حطب التوت للتدفئة في هذه الليلة باعتبار أن شجر التوت متمرد متكبر لا يسجد للمسيح خلال مروره، ومن الاعتقادات أيضاً أن يقوم البعض بضرب النار بقضيبٍ طويل، فاذا تطاير الشرر تفاءلوا بالخير وتمنوا أن يعطيهم الله قدر هذه الشرارات مالاً، ففي هذه الليلة تنزل الملائكة على الأرض لتستمع الى طلبات الناس، وفيها تبقى أبواب السماء مفتوحة وطلبات المؤمنين مستجابة.

خلال الليل كانت تطوف ربة البيت على ما عندها من مؤن “طحين، برغل، عدس، تين، زبيب، وسواها” فتحركها وهي تردد “دايم، دايم”، ليباركها المسيح عند مروره فتكفيهم الشتاء كله.

كما كان ينزل ليلاً أحد أبناء المنزل الى القن، ويحركش الدجاجات، كي يبدأوا بالصياح ومن التعابير التي تردد أثناء ذلك: “جايي ليكن يعقوب بو اسحاق، تا كلّكن تقعدوا قراق”.

والاعتقاد أن هذه العملية تبارك الدجاجات، فتقعد بعضهن “قراق” لتفقيس الصيصان. فقديماً لم يكن أحد في قرانا يشتري الصيصان والدجاج، بل كان كل منزل “يقّعد قرقة” أو أكثر في السنة لتفقيس الصيصان.

3 – صنع الخميرة:

في زمن ما كان عرف مجتمعنا شراء الخبز، كان الناس يغيرون في هذه الليلة خميرتهم، فهي تبقى في المنزل من عجنة إلى عجنة طوال السنة، فمتى أتى عيد الغطاس غيّروها. فيعجنون قليلاً من الطحين والعرف أن يقوم بالعجن أصغر الأولاد سناً، ويجعلونه قرصًا يرسمون عليه إشارة الصليب، ثم يضعونه في كيس من الشاش الأبيض، ويعلقونه على أقرب شجرة الى المنزل ما عدا شجرتي التوت والتين. فالاعتقاد الراسخ أن جميع الأشجار تسجد عند مرور المسيح ما عدا شجرة التوت المتمردة المتكبرة، وشجرة التين التي لعنها المسيح بعد أن شنق يهوذا الاسخريوطي نفسه فيها. ويترك قرص العجين معلقاً في الشجرة حتى الصباح، حيث يصبح خمير السنة الجديدة.

4 – سجود الشجر:

كم حيرت هذه العبارة الأولاد حيث كانوا العجائز يروون لهم أن الشجر يسجد عند مرور المسيح عند منتصف الليل ما عدا شجر التين والتوت، وكم من رواية سمعوها الصغار عن رجل وصل الى بيته منتصف الليل وربط حماره في شجرة صودف أن كانت راكعة وبعد دقائق شاهد حماره معلقاً لأن الشجرة وقفت. أو لم يعرف أين باب منزله؟، لأن الشجرة الراكعة حجبته وعندما وقفت ظهر الباب فدخل الى المنزل.

وكم من ولد خرج من بيته قرب منتصف الليل رغم العواصف فقط ليشاهد كيف يسجد الشجر؟، وعاد الى داخل المنزل وثيابه مبتلة ويرتجف من البرد

وتبقى قصة ركوع الشجر متداولة عدة أيام ولم يستطع أي ولد أن يؤكد ان كان شاهد شجرة راكعة.

5 – قداس العيد:

يقام قداس عيد الغطاس اما منتصف الليل أو نهار العيد في الكنيسة، فيصل المؤمنون حاملين معهم بعض الماء، ليصلي عليه الكاهن.

بعد القداس يعودون الى منازلهم ويشربون من هذا الماء، خاصة المرضى، ويرشون بعضًا منه في المنزل للتبرك، ويضعون البعض الآخر في الآبار ومشارب الحيوانات، ويحتفظون بالقسم الباقي للتبرك به عند الحاجة. وكان الكاهن يطوف بعد القداس على المنازل يرش الماء المصلى عليه.

6 – عمادة الأطفال:

كان الأهالي يؤثرون تقديم أطفالهم لقبول سر العماد المقدس في هذا العيد، تيمنًا وتبركًا بذكرى اعتماد السيد المسيح. وكان الكهنة يشددون في القداسات التي تسبق عيد الغطاس بضرورة ألا يمر العيد دون أن يكون الأطفال تقبلوا سر العماد المقدس

7 – من المولود للمعمود بتوقف المي عمود:

كان أجدادنا ينتظرون مطراً متواصلاً من عيد الميلاد “المولود” وحتى من أيام التساعية الميلادية “قبل 9 أيام من عيد الميلاد” حتى نهار عيد الغطاس “المعمود” وكانوا في هذه الفترة يمتنعون عن القيام بأي نشاط خوف أن تدهمهم العاصفة أو الثلج فكان هذا القول، وهناك قول آخر كان يردده البحارة وأبناء الساحل “بين الغطاس والميلادي اياك تسافر يا غادي” حيث كانوا يمتنعون عن الخروج بمراكبهم خوف العواصف البحرية، ولا يخفى أن تركيب هذا المثل هو للموازنة في الايقاع بين الميلادي والغادي فالميلاد يسبق الغطاس وليس العكس

بعد عيد الغطاس كان يستريح الفلاح بعض الأيام من العواصف منتظراً عاصفة ثانية تبدأ في 17 كانون الثاني نهار عيد مار انطونيوس الكبير وتنتهي في 9 شباط نهار عيد مار مارون وكانوا يقولون “من القلوسة للقلوسة بتبقى الحالة منحوسة” أي أن العواصف تستمر من دون انقطاع من عيد مار أنطونيوس الكبير لابس قلوسة الرهبان الى عيد مار مارون لابس قلوسة الرهبان أيضاً.

هذا كان في ما مضى، أما اليوم فمعظم هذه التقاليد زالت أو على طريق الزوال السريع، وما عادت حلويات عيد الغطاس تصنع في البيوت بل تشترى من المحلات حتى “الزلابية” فالمطلوب العودة الى الجذور بإعادة احياء هذه العادات والتقاليد وقد تكون هذه مهمة الكنيسة والراهبات والمدارس فعسى خيراً.