كتب زياد عيتاني في “اللواء”:
في ساعات الصباح الباكر من 3 كانون الثاني 2026، نفذت القوات الأميركية عملية عسكرية واسعة النطاق في كاراكاس أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. هذه العملية، التي وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها «ضربة واسعة النطاق»، لا تمثل فقط تحوّلاً جذرياً في السياسة الأميركية تجاه فنزويلا، بل تشكّل ضربة استراتيجية قاسية لإيران وحزب الله اللذين وجدا في كاراكاس موطئ قدم حيوي في الأميركتين.
فمنذ إعلان الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز أن بلاده وإيران «إخوة» عام 2005، تطورت العلاقات بين طهران وكاراكاس إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. وفق ما ذكره وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فإن هذه الشراكة شملت تواجداً عملياتياً لحزب الله في فنزويلا على مدى عقود.
يُعتقد أن حزب الله يحتفظ بوجود كبير في أنحاء فنزويلا، بما في ذلك عناصر القيادة والسيطرة في كاراكاس. كذلك فإن جزيرة مارغريتا كانت مركزاً لوجستياً يُستخدم لأنشطة تتراوح بين العمليات المالية وجمع الاستخبارات والاتجار المزعوم بالمخدرات.
في المقابل، الشراكة الاقتصادية بين إيران وفنزويلا كانت بمثابة شريان حياة لكلا النظامين المحاصرين بالعقوبات. وفقاً لبيانات معهد دفاع الديمقراطيات، صدّرت إيران حوالي 1.82 مليون برميل يومياً من النفط في الأشهر الأحد عشر الأولى من 2025، بينما صدّرت فنزويلا 900 ألف برميل يومياً.
تبادلت إيران وفنزويلا النفط والذهب والمساعدات في البنية التحتية، غالباً باستخدام الحرس الثوري الإيراني وشركات واجهة مرتبطة بحزب الله لغسيل الأموال والتهرّب من العقوبات. هذه الشبكة المعقّدة من التعاونات الاقتصادية تواجه الآن خطر الانهيار الكامل.
وفي هذا السياق، أوضحت كاري فيليبيتي، المدير التنفيذي لتحالف فاندنبرغ، أن النظام الإيراني ونظام مادورو نسقا بتوفير ملاذ آمن لمقاتلي حزب الله، الذين استغلوا غياب سيادة القانون في فنزويلا للانخراط في غسيل الأموال المرتبط بتجارة المخدرات.
فنزويلا لم تكن مجرد شريك اقتصادي لإيران، بل كانت قاعدة استراتيجية في نصف الكرة الغربي. وثق تقرير من معهد الدراسات الأمنية اليهودية (JINSA) كيف أن إيران استخدمت هذا الموقع لبناء شبكة كثيفة تشمل روابط دولة بدولة مباشرة ودمج جهات فاعلة بالوكالة مثل حزب الله.
أما دانيال فاجنر، محاضر العلاقات الدولية في الجامعة العبرية، فقد أشار إلى أن سقوط نظام مادورو، إذا سعى ترامب لتحقيق هذا الهدف، سيحرم المحور الإيراني من قاعدته في الأمريكتين، مما يعزز التصورات بالتآكل التدريجي للمدى العالمي لمحور إيران – حزب الله.
من جهته السيناتور توم كوتون كان صريحاً في أهداف العملية الأميركية، حيث صرح: «نريدهم أن يوقفوا تهريب المخدرات والأسلحة، نريدهم أن يطردوا الإيرانيين والكوبيين والراديكاليين الإسلاميين مثل حزب الله». أما وزير الدفاع بيت هيغسيث حذّر بوضوح: «خصومنا يبقون في حالة تأهب، أميركا يمكنها أن تعرض إرادتها في أي مكان وفي أي وقت»، مضيفاً أن «نيكولاس مادورو أُتيحت له فرصته، تماماً كما أُتيحت لإيران فرصتها، حتى لم تُتح».
العملية الأميركية تأتي في وقت حرج لإيران. وفقاً لتحليل نشرته يورونيوز، سقوط مادورو ليس مجرد اضطراب داخلي في فنزويلا، فالحدث له أهمية مزدوجة لطهران، حيث كانت فنزويلا حليفاً وثيقاً لإيران، وتشكّل بينهما تعاون اقتصادي ونفطي وأمني واسع.
التحليل يشير إلى أن هذه الشراكات، التي تضمنت في كثير من الحالات مليارات من الاستثمارات الإيرانية، خاصة من كيانات تابعة للحرس الثوري، ارتكزت على ألفة أيديولوجية ومعارضة مشتركة للولايات المتحدة. الآن، مصير هذه الاستثمارات أصبح غامضاً في وقت تواجه فيه إيران نفسها أزمة اقتصادية حادّة.
بالنسبة لحزب الله، تمثل فنزويلا أكثر من مجرد مصدر تمويل. التقارير تشير إلى أن التعاون الفنزويلي مع العمليات المرتبطة بإيران وحزب الله استهدف معارضين إيرانيين في الخارج، بما في ذلك محاولات خطف وحملات تخويف في نصف الكرة الغربي.
حزب الله أصدر بياناً يدين «العدوان الإرهابي والبلطجة الأميركية ضد جمهورية فنزويلا البوليفارية»، وأكد «تضامنه الكامل مع فنزويلا – شعبها ورئاستها وحكومتها – في مواجهة هذا العدوان والغطرسة الأميركية».
وزير الخارجية روبيو كان واضحاً في تصريحاته لشبكة NBC قائلاً إن الأمر يعني بالنسبة لفنزويلا: «لا مزيد من تواجد إيران – حزب الله هناك».
العملية الأميركية في فنزويلا قد تكون مجرد البداية. كما لاحظ تحليل «تايمز أوف إسرائيل»، فإن الغارة على كاراكاس أرسلت رسالة واضحة: الرئيس الأميركي الذي يكون مستعداً لدعم التهديدات باستخدام القوة العسكرية بحكمة هو أمر جيد لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل.
على المدى البعيد، قد تستخدم إيران العملية كدليل إضافي على أنه لكي تنجو يجب عليها تعزيز قدرتها الردعية ضد الولايات المتحدة بشكل كبير، حتى في شكل دفع هادئ نحو سلاح نووي.
العملية الأميركية في فنزويلا تمثل تحوّلاً جذرياً في المواجهة بين واشنطن ومحور المقاومة الذي تقوده إيران. سقوط مادورو لا يعني فقط خسارة حليف سياسي، بل انهيار منصة استراتيجية استغرق بناؤها عقوداً من الزمن. بالنسبة لإيران وحزب الله، فإن فقدان فنزويلا يعني:
– انقطاع شريان اقتصادي حيوي في وقت حرج. – خسارة قاعدة عمليات في نصف الكرة الغربي. – تآكل الشبكة العالمية للنفوذ الإيراني. – رسالة واضحة من إدارة ترامب بأن الضغط سيتصاعد.
إذاً، بعملية عسكرية خاطفة، أنهت واشنطن عقدين من التحالف الإيراني – الفنزويلي الذي شكّل تهديداً استراتيجياً في الفناء الخلفي للولايات المتحدة. سقوط مادورو لا يعني فقط اعتقال رئيس متهم بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، بل انهيار منظومة كاملة من التعاون الأمني والاقتصادي بين طهران وكاراكاس. عملياً، فقدت إيران شريكاً تجارياً حيوياً بلغت قيمة تجارته 3 مليارات دولار عام 2023، وطريقاً للالتفاف على العقوبات الدولية عبر تبادل النفط بالذهب. كما خسرت قاعدة عسكرية لتصنيع الطائرات المسيّرة وتدريب العناصر المسلحة، في وقت تواجه فيه ضغوطاً اقتصادية متصاعدة.
كذلك، انقطع شريان تمويل حيوي لحزب الله كان يعتمد على شبكات تهريب المخدرات وغسيل الأموال، مستغلاً الجالية اللبنانية التي استقرت في فنزويلا منذ السبعينيات.
الخلاصة، عملية كاراكاس تمثل نقطة انعطاف في الصراع الأميركي – الإيراني: من حرب بالوكالة وعقوبات اقتصادية إلى مواجهة عسكرية مباشرة. النتيجة النهائية لن تتضح بعملية واحدة، بل بقدرة كل طرف على إدارة التصعيد وإعادة بناء استراتيجياته.
الأكيد أن خريطة النفوذ الإقليمي دخلت مرحلة إعادة تشكيل جذرية، والأشهر القادمة ستحدّد ملامح التوازنات الجيوسياسية للعقد المقبل.

