كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:
منذ عام 1990 كاد لبنان الرسمي يكون منسيًّا في العالم. فقد اعتُبِر أنّه أقل من دولة، مسلوب السيادة، محكومًا من النظام في سوريا ثم من النظام في إيران، ومن “حزب الله”. كان رؤساء الجمهورية يُعتبرون من ملحقات هذا المحور يُعيَّنون تعيينًا ولا يمثلون السيادة اللبنانية بقدر ما يمثلون التبعية لمن عيّنهم. ولذلك لم يكن من المرحّب بهم في عواصم العالم إلا في ما ندر. بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية بدا وكأن هذه النمطية آيلة إلى التحطيم لبناء صورة جديدة للرئاسة والرئيس والدولة التي لها حضورها على مستوى العالم، وإن لم يكن هذا الحضور بلغ مداه بعد. ولكن سنة عون الأولى حفلت بإنجازات عديدة أعادت الذاكرة إلى عهود كانت فيها مؤسسات الدولة قوية وفاعلة، وكان عون عند “عهده لنا”رغم أن انتظارات اللبنانيين أكبر من حصاد سنة، ولربما السنة الثانية هي المحك الفعلي.
أكثر رئيس جمهورية أعطى للبنان هالة الحضور على المسرح الدولي كان كميل شمعون الذي بنى شبكة علاقات دبلوماسية مع أكثر من رئيس وملك وشاه، ووضع لبنان على سكّة المشاركة في القرارات الدولية وتقرير مصير المنطقة بحيث كان يزور ويزار. الرئيس فؤاد شهاب لم تكن له زيارات خارجية موصوفة ولعلّ أهم ما قام به كان لقاء الخيمة مع جمال عبد الناصر، رئيس دولة الوحدة بين مصر وسوريا، على الحدود بين لبنان وسوريا ولكنه كان قادرًا على إبقاء لبنان في خانة الدول ذات السيادة الكاملة.
لم يشذ الرئيس شارل حلو عن هذه القاعدة التي أرساها شهاب ولكن عهده شابته بدايات التنازع على السيادة مع الفصائل الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير ياسر عرفات التي توِّجّت باتفاق القاهرة وبتأييد فصائل لبنانية للعمل الفلسطيني على حساب السيادة اللبنانية. منذ عام 1965 بدا وكأن هناك دولة بدأت تولد داخل الدولة اللبنانية لتسيطر عليها وبدا وكأن الجيش اللبناني بدأ يفقد وحدانية امتلاك السلاح، وبالتالي بدأت تتناقص السيادة في معناها وفي أبعادها، إلى الحد الذي اعتبر معه عرفات أنه كان يحكم لبنان من مقره في الفاكهاني في بيروت.
سركيس ومعبر الأسد
منذ انتخاب الرئيس الياس سركيس في أيار 1976 بدا وكأن طريق الرئاسة بات يمر عبر دمشق. شكّل انتخاب الرئيس بشير الجميل أملًا بالعودة إلى الدولة السيدة المستقلة ولكن اغتياله أعاد إعطاء المفتاح لبواب النظام السوري. حصل الانقلاب الكامل على عهد الرئيس أمين الجميل بحيث بات لبنان لبنانات، والجيش جيشين والسلطة سلطات. منذ العام 1990 بات حاكم سوريا يحكم لبنان مباشرة ويسمّي رؤساء الجمهورية والحكومة والنواب والوزراء والموظفين وقادة الجيش والقضاة والأجهزة الأمنية.
كل هذه المناصب لم تكن إلا لملء الفراغ بالشخص الذي لا يملأ الموقع، لأن مقتضيات الدستور الصورية وتركيبة السلطة تقتضي أن يكون هناك رئيس ومرؤوسون لهم رأس واحد في دمشق. من هذا المنطلق لم تكن هناك أهمية لأي زيارة يقوم بها رئيس إلى الخارج. كل زيارة بات يحسب لها حساب وكل زيارة رئيس إلى لبنان باتت تمرّ حكمًا بموافقة النظام السوري. هذه كانت صورة عهد الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود الذي لم يكن يحضر حتى قداس مار مارون أو أي قداس آخر في بكركي. على العكس في عهده الممدّد ثلاث سنوات خاض الحرب السورية على بكركي والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير وهدّده بأن العشب سينبت على درج البطريركية.
باب الحارة
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج جيش النظام السوري من لبنان في نيسان 2005 حاول “حزب الله” وراثة دور الأسد الذي انتقل من الأب إلى الإبن. هكذا بقوة السلاح الذي حلّ محل السلاح الفلسطين والسلاح السوري، عمل أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله على تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية بعد انتهاء ولاية لحود، ثم بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وبعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون. كان بقوة التعطيل والصواريخ يفرض انتخاب الرئيس الذي يريده ويسمّي رؤساء الحكومات والوزراء وقادة الأجهزة الأمنية، ويفرض حضوره على القضاء ويمنع فتح الملفات التي لا يريدها أن تفتح.
من المفترض أن الضربات التي تلقاها “حزب الله” نتيجة زجّ نفسه ولبنان في حرب مدمرة ضد إسرائيل، أدّت إلى بدء مسيرة تحرير القرار اللبناني من سيطرة “الحزب”. وبالتالي لم يعد هو من يتحكّم بتسمية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزارء. هكذا بعد اغتيال نصرالله وعدد كبير من قياداته، وتدمير معظم ترسانته العسكرية، اضطر أن يوافق على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024 الذي ينصّ على نزع سلاحه وتطبيق القرار 1559 والقرار 1701 اللذين ينصّان على بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.
عهد جديد للبنان؟
في ظل تدهور وضع “الحزب”، ورغمًا عنه، تم انتخاب الرئيس جوزاف عون، ثم سُمِّي نوّاف سلام رئيسًا للحكومة التي تشكّلت وشكّلت انقلابًا على انقلاب الحزب العسكري في 7 أيار 2008، الذي تحكّم بعده بقرار السلطة والرئاسات. بهذه الصورة التي حملت الرئيس جوزاف عون إلى قصر بعبدا كان من الطبيعي أن تنكسر قاعدة أن طريق بعبدا تمرّ في حارة حريك أو في طهران أو في دمشق وبات بإمكان الرئيس أن يحمل عبء تحرير السلطة من التبعية وتحرير قرار بعبدا والسراي وحتى مجلس النواب. لذلك صار لبنان مقصدًا لزيارات كثيرة، وبات الرئيس مرحَّبًا به في دول كثيرة. هكذا خلال عام واحد زار عون السعودية وقطر والإمارات والكويت ومصر والعراق والجزائر والبحرين وسلطنة عمان وباريس وقبرص وبلغاريا ونيويورك. وهكذا كان يستقبل أيضًا رؤساء فرنسا وقبرص وفلسطين ويتوِّج هذا الانفتاح العالمي باستقبال البابا لاوون الرابع عشر في ثاني زيارة خارجية له بعد اعتلائه سدّة البابوية، وبعد محطّة أولى في تركيا.
بعد دخول الرئيس جوزاف عون إلى قصر بعبدا بدا وكأن سرية التشريفات في الحرس الجمهوري عادت إلى الصف والخدمة والعمل لتقديم التحية والسلاح، بحيث أن القصر لم يعد مجرّد صورة ومجرّدًا من السيادة والرئاسة الحقيقية. بهذا المعنى أعاد الرئيس عون المعنى إلى الموقع والمنصب والمكان. ولكن هذا المعنى يحتاج إلى تثبيت بحيث لا يعتريه أي تنازل عن الصلاحيات والسلطة والقرار لأنه أُعطي ما لم يعطَ أيّ رئيس غيره منذ خمسين عامًا. وهو عبّر عن هذا الانتظار في خطاب القسم بحيث أعطى أملًا للبنانيين، وللعالم الذي ساعد في وصوله إلى قصر بعبدا، بأن السيادة ليست أملًا مستحيلًا. وبالتالي أمام الرئيس استحقاقات كثيرة ليثبت أنه على العهد باقٍ وعلى القسم مؤتمن، وأنه لا ينتظر الإذن من أحد لأن السيادة تكون كاملة أو لا تكون ولا تمر عبر باب الحارة