كتب مايز عبيد في نداء الوطن:
في كلّ يوم، يواجه العسكريّ اللبناني معركة غير مرئية، بعيدًا من الساحة والمعارك، داخل حياته اليومية.
منذ الانهيار المالي في خريف 2019، بات راتب العسكريّ في الخدمة الفعلية لا يكفي حتى لتأمين تنقله إلى مكان خدمته ليوم واحد. فقد وصل راتبه في مرحلة من المراحل إلى ما يقارب 20 دولارًا. مئات العناصر وجدوا أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرار صعب: البقاء في الخدمة بلا قدرة على العيش، أو الفرار لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم في مكان آخر، أو الجلوس في البيوت لعدم تكبّد مصاريف لا قدرة لهم عليها، خصوصًا من كان مركز خدمته بعيدًا جدًا من مكان إقامته.
هؤلاء لم يتركوا الخدمة بدافع التمرّد أو رفض الانضباط، بل هربوا من العجز عن مواجهة متطلّبات الحياة اليومية. البعض خصوصًا من أبناء عكار والشمال، كان يخدم في بيروت أو في الجنوب، فيما لم يعد راتبه يكفي لتأمين مشوار واحد إلى مركز خدمته، فما بالك بتدبير شؤون الحياة والعائلة؟
اليوم، ومع تحسّن نسبيّ في الأوضاع الماديّة للعناصر الأمنية، يرغب معظم هؤلاء العسكريين وهم من مختلف الطوائف، في العودة إلى الخدمة الفعلية. إلّا أن أوضاعهم القانونية لا تزال معلّقة لدى المحكمة العسكرية، التي تنظر إليهم كفارّين وتطلب منهم تسليم أنفسهم وعتادهم، ودفع مبالغ مالية محدّدة قبل اتخاذ أيّ قرار بالتسريح أو التسوية. معظم هؤلاء لا يملكون هذه المبالغ، ويُصنفون كمطلوبين من وجه العدالة، ما يمنعهم من القيام بأي عمل آخر، ويتركهم في دائرة فراغ قانوني ومعيشي.
أكثر من 600 عنصر
في عكّار وحدها، يشير الملف إلى وجود أكثر من 600 عنصر خارج الخدمة، من دون أي حقوق مدنية أو عسكرية، فيما يزيد عدد العسكريين الفارّين على مستوى لبنان عن ألفي عنصر.
يقول علي، أحد هؤلاء العسكريين، لـ “نداء الوطن”: “أعيش منذ سنوات حالة من الضياع الكامل. لولا أن زوجتي هي التي تصرف على البيت، لكان وضعنا بالويل أكثر. لا أستطيع العودة إلى خدمتي، وليس بإمكاني القيام بأي عمل آخر لأنني في نظر الدولة مطلوب، رغم أنني خدمت بلدي وأمضيت أهم سنوات عمري في خدمة العلم الوطني. كلنا أصحاب كفاءة وخضعنا للعديد من الدورات التدريبية والقتالية ونتمنى الآن تسوية أوضاعنا والعودة إلى المؤسسة التي نحبّ”.
بدوره يشير ماهر، أب لثلاثة أولاد، إلى أنه منذ الفرار من الخدمة لم يعد قادرًا على ممارسة أي عمل: “أعيش مع عائلتي حياة صعبة للغاية”.
أسوة بقوى الأمن
المفارقة أن مديرية قوى الأمن الداخلي وجدت حلًا للفارّين من سلكها وأعطتهم مهلة للعودة إلى الخدمة الفعلية، فيما العسكريون في الجيش لا يزالون ينتظرون تسوية مماثلة.
اليوم، يستصرخ هؤلاء العسكريون رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش رودولف هيكل، لإيجاد حلّ لقضيتهم واستعادة حقوقهم، والعودة إلى خدمة وطنية أرادوها فخرًا، لكن الظروف المادية والقانونية حوّلتها إلى معاناة مستمرّة، وسط فراغ قانوني ومعيشي يفاقم معاناتهم يوميًا.

