IMLebanon

“الحزب” وإيران… الأصيل يترنح: ماذا سيحل بالوكيل؟

كتب نخله عضيمي في “نداء الوطن”:

لم يعد السؤال عما إذا كان محور إيران يتآكل، بل إلى أي مدى، ومتى يصل الانهيار إلى مركزه؟ وفي قلب هذا المحور يقف “حزب الله”، لا كحزب عقائدي فحسب، بل كأوضح نموذج لـ “الدولة الوكيلة” التي نشأت، كبرت، وتسلحت خارج منطق الدولة. وعليه، فإن سقوط نظام الملالي في إيران، بالتوازي مع انهيار خطوط الإمداد عبر سوريا وفنزويلا، لا يشكل مجرد أزمة عابرة لـ “حزب الله”، بل يفتح الباب على تفكك مشروعه من الأساس.

من هنا، وأمام هذا الواقع، يشهد البيت الشيعي اليوم مرحلة إعادة تموضع وترتيب عميقة، في ظل ترنح النظام الإيراني وتراجع قدرته على فرض نموذجه العقائدي والسياسي خارج حدوده. هذا الواقع يدفع الجناح الشيعي في لبنان، ولا سيما غير المرتبط عضويًا بالمحور الإيراني، إلى العودة نحو عنوان أساسي: حق الشيعة في الحياة خارج منطق الحروب الدائمة.

فبعد سنوات من توريط الطائفة في صراعات إقليمية تحت شعارات “نصرة المؤمنين” و “تصدير المقاومة/ الثورة”، بدأت تتقدم مقاربة جديدة تقول إن الطائفة الشيعية ليست محكومة بالعيش في ظل القتال، ولا محكومة بدفع أثمان مشاريع لا تعبر عن مصالحها الوطنية والاجتماعية، وفق تصريحات لرئيس مجلس النواب نبيه بري في مجالسه الخاصة.

ويبرز في هذا السياق ما أصبح واضحًا لدى وزارة الخارجية الإيرانية، التي باتت تدرك أن مرحلة تصدير الأزمات لم تعد قابلة للاستمرار، وأن الخطاب الأيديولوجي المتشدد لم يعد يجد البيئة نفسها في لبنان، وهذا ما خلص إليه وزير الخارجية الإيرانية عباس عرقجي في زيارته الأخيرة التي أراد منها لعب آخر الأوراق الإيرانية انطلاقًا من الساحة اللبنانية، وقد فشل على ما يبدو.

أولًا: التحول في البيت الديني الشيعي

النقطة المفصلية تتمثل في ترتيب البيت الديني الشيعي، عبر السعي لإنهاء ولاية نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، والتحضير قانونيًا لانتخاب بديل عنه. ومن المرجح أن يكون الشيخ عبد الحسين صادق، إمام مدينة النبطية، هو الإسم المطروح لتولي هذا الموقع.

إن أهمية هذا الخيار لا تكمن في الشخص فقط، بل في الخلفية الفكرية: فالشيخ صادق ليس من مدرسة ولاية الفقيه، ولا يؤمن بهذه النظرية، وهو بعيد عن الخط الخميني عقائديًا وسياسيًا. وبالتالي، فإن تكريسه على رأس المرجعية الدينية الشيعية في لبنان سيشكل تحولًا استراتيجيًا داخل الطائفة، لناحية إعادة الاعتبار للهوية الدينية اللبنانية المستقلة عن المحور الإيراني.

ثانيًا: التغييرات في المواقع الأمنية والإدارية

هذا التحول يتمثل في إعادة التوازن في التعيينات داخل المواقع الشيعية الحساسة، ولا سيما الأمنية منها. وقد ظهر ذلك في بعض المواقع الأمنية، وفي الخلافات حول رئيس المجلس الأعلى للجمارك، وغيرها من المواقع الإدارية. هذه التغييرات تعبر عن توجه لإعادة الطائفة إلى منطق التعيينات المهنية والمدنية، بعيدًا من الهيمنة الحزبية، وبالأخص بعيدًا من حصر المواقع بالمنتسبين إلى “حزب الله”.

ثالثًا: السلاح وتحولات “حزب الله”

يتزامن هذا المسار مع النقاش المتصاعد حول تسليم السلاح، حيث لاقى بيان قائد الجيش وبيان رئيس الجمهورية تأييدًا واضحًا في الأوساط السياسية والرسمية.

وفي مقابل هذا المشهد، جاء صمت الشيخ نعيم قاسم ليفتح الباب أمام قراءة جديدة داخل “حزب الله” نفسه: قراءة توحي بولادة مدرسة مختلفة، أقل ارتباطًا بالأصولية العسكرية التي طبعت مرحلة عباس الموسوي، والسيد حسن نصر الله.

هذه المدرسة الجديدة قد تسمح بتحول “حزب الله” من تنظيم عسكري عقائدي إلى منظمة دينية – سياسية، يتم فيها تعويض الجناح العسكري بالجناح الديني، وإعادة تموضع “الحزب” داخل الحياة اللبنانية بدل المواجهة الدائمة مع محيطه، علمًا أن هذه المدرسة الجديدة تدرك جيدًا أن ما تبقى من صبر البيئة الحاضنة يتآكل، وهي التي فرضت عليها شعارات لم تطعم جائعًا ولم تبن دولة.

باختصار: وأمام ما يحدث في إيران، هل يستلحق “حزب الله” نفسه ويعود إلى لبنانيته ويحد من الخسائر ويحفظ مكانته داخل النسيج اللبناني أم يراهن على تمكن نظام الملالي من خنق الاحتجاجات ويعيد تجربة الدفاع المقدس التي خاضها دفاعًا عن النظام السوري؟

ما علينا سوى رصد “الزب” ومواقف مسؤوليه، لكن ما هو مؤكد أن الرهان على البقاء كقوة أمر واقع داخل لبنان، هو رهان خاسر. فلبنان المنهك لم يعد يحتمل ميليشيا مسلحة فوق الدولة، و “الحزب” يعرف أنه إذا سقط نظام الملالي، ينتهي “حزب الله” كمشروع. قد يبقى الاسم، لكن الدور يسقط وسيسقط وهم “المقاومة الإلهية”، وتنتهي مرحلة استخدام لبنان كساحة مستباحة لحروب الآخرين.

عندها، لن يكون السؤال كيف يواجه “حزب الله” خصومه، بل كيف يواجه اللبنانيين، وخصوصًا أبناء بيئته، الذين سيكتشفون أنهم دفعوا ثمن مشروع لم يكن يومًا لهم. تلك ستكون لحظة الحساب، لا مع الخارج، بل مع الداخل والتاريخ. وفي السياسة، كما في الحروب، الوكيل لا ينجو عندما يدفن الراعي الأصيل.

January 12, 2026 06:44 AM