كتب عبدالله قمح في “المدن”:
مضت إسرائيل في رفع وتيرة تصعيدها الميداني في الجنوب عبر زيادة عدد الغارات وتوسيع أيام الاستهداف. حتى الآن، لم يبلغ التصعيد مستوى ما شهده الجنوب في 23 أيلول 2024، إلا أنّه بلغ مستوى غير مسبوق منذ 27 تشرين الثاني 2024. فقد أُحصي شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي ما يزيد على 50 غارة منذ بداية العام الجاري؛ أي خلال نحو عشرة أيام فقط.
تتعدد أهداف هذا التوسّع في الضربات. أولاً، يشكّل ترجمة عملية لاجتماع ترامب – نتنياهو الذي عُقد أواخر العام الماضي في ولاية فلوريدا الأميركية. ثانياً، يأتي في إطار تطبيق الخطط الإسرائيلية التي كشف عنها الإعلام العبري، والمبنية على نظرية “الارتقاء التدريجي” في الضربات. ثالثاً، يهدف إلى نقل المعركة إلى عمق مناطق نفوذ حزب الله، وتحديداً شمال نهر الليطاني. رابعاً، يسعى إلى فرض مزيد من الضغوط على الدولة اللبنانية والجيش لدفعهما إلى البدء بخطة حصر السلاح في المنطقة الواقعة بين النهرين. خامساً، زيادة الضغط على بيئة الحزب، في مسعى إسرائيلي لإحداث شرخ داخل المجتمع الشيعي، ولا سيما عبر استهداف مجمعات سكنية ذات طابع مدني، كما حصل في بلدة كفرحتى.
استعلام موقف الحزب
لا يمكن فصل الغارات التي إستهدفت وتستهدف جنوب لبنان عمّا تطبخه حكومة نتنياهو بالتعاون مع شريكتها في البيت الأبيض للتعامل مع إيران. فالعقدة الأساسية تكمن في عدم توصل الأطراف المعنية إلى جواب واضح وحاسم حول تموضع حزب الله في حال شنّ هجوم محتمل على إيران. من هنا، تشنّ إسرائيل ما يشبه معركة استباقية، هدفها منع الحزب من الانخراط إلى جانب طهران في أي مواجهة مقبلة. وخلال الأسابيع الماضية، سعى موفدون إلى استيضاح موقف الحزب عبر مسؤولين لبنانيين على تواصل دوري معه، أو من خلال وسطاء يلتقون قياديين فيه بعيداً عن الإعلام، أو على هامش زيارات لمسؤولين حزبيين، من دون التوصل إلى نتيجة واضحة.
منذ فترة غير قصيرة، ينشط المبعوثون إلى لبنان، كما وُجهت إلى الحزب دعوات متعددة للقاءات داخل لبنان وخارجه. وتندرج جميع هذه المساعي تحت عنوان واحد، “فهم موقف الحزب وتموضعه في أي هجوم إسرائيلي على إيران”، وسط محاولات داخلية لدفعه إلى النأي بنفسه عن تلك المواجهة. في المقابل، يعتمد الحزب سياسة الغموض. فلا يقدّم إجابات مباشرة، وإن اختار الردّ، يكتفي بالعموميات، كرفض العدوان على أي بلد، ولا سيما إيران.
هذا الغموض يزيد من منسوب الضبابية على المستوى الإسرائيلي، حيث تخشى تل أبيب أن يُقدم الحزب على الانخراط في معركة إلى جانب إيران في حال اندلاع الحرب، ما يعني استخدام ما تبقى لديه من صواريخ، تُقدّرها الأوساط الإسرائيلية بنحو 20 ألف صاروخ، لاستهداف المدن والمستوطنات الشمالية، وربما مناطق أبعد من الجبهة. لذلك، كثّفت إسرائيل أخيراً استهدافها لمرتفعات شمال الليطاني، ولا سيما ما تقول إنه أنفاق تُستخدم لإخفاء الوسائل القتالية، أي الصواريخ التي تبحث عنها تحديداً.
أفكار لتحييد الحزب
خلال الفترة الماضية، طُرحت مجموعة أفكار على الحزب لإقناعه بالموافقة على تجميد استخدام أسلحته، وتحديداً الصواريخ الذكية والبالستية والمسيّرات الدقيقة. وكان أحد هذه العروض قد طُرح على لسان مدير المخابرات المصرية، حسن رشاد، خلال زيارته بيروت قبل أشهر. ويبدو واضحاً أن هذه الطروحات التي استجدت تندرج في سياق تهيئة المسرح لشنّ هجوم محتمل على إيران، وتأتي في سياق أوسع يرتبط في ما يجري إستغلاله من حراك يحصل داخل شوارع طهران والمدن الإيرانية الأخرى، بمعنى أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط.
حتى الآن، لا يزال غير واضح ما إذا كانت إسرائيل ستبادر إلى شنّ هجوم متزامن على إيران وحزب الله معاً أو تأخدهما بالمفرّق. غير أنّ ما يتداول به داخلياً يوحي بحرص الجانب الأميركي، حتى اللحظة، على إبقاء لبنان بمنأى عن الانزلاق إلى أتون جبهة مفتوحة، ليس حرصاً عليه بحدّ ذاته، بل خشية الإضرار بما تعتبره واشنطن إنجازات تحققت، ولمنع انقلاب المشهد بما قد يتيح للحزب تحقيق مكاسب. إذ يسود في بعض الدوائر الأميركية تقدير، ولو محدود، بأن الحزب قد يجد مصلحة في الوصول إلى لحظة الحرب للخروج من حالة الجمود (الستاتيكو) ومحاولة فرض جزء من التوازن. من هنا، جاء موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي عبّر عن اعتقاده بأن الحرب بمعناها التقليدي باتت بعيدة عن لبنان. غير أنّ ذلك لا يعني تراجع إسرائيل، بل سعيها إلى الاستفادة من “الضوء الأخضر” المحدود حالياً لتحويله إلى ضوء بلا سقف، بهدف توسيع ضرباتها في لبنان تمهيداً لأي مواجهة مقبلة مع إيران.
عراقجي يبحث عن أجوبة في بيروت
قبل مدة، تبلورت في الولايات المتحدة نظرية مفادها أنّ إضعاف النظام الإيراني، لا إسقاطه، قد يساهم في إعادة توجيهه سياسياً، في ظل وجود شخصيات داخل السلطة الحالية تُعدّ مقبولة أميركياً. كما ترى هذه النظرية أنّ ذلك قد يؤدي إلى تفكك ما يُسمّى “الأجنحة”، كحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن. وتنطلق واشنطن في مشروعها الحالي من هذا الفهم، وهو ما يدركه الفريق الآخر جيداً، إذ يعتبر أنّ المعركة باتت وجودية، وتتطلب “قتالاً كربلائياً”، على قاعدة: لن نستسلم، وإذا أردتم السلاح فتعالوا خذوه بالقوّة!
لا يمكن يمكن فصل كل ما يجري حالياً عن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إلى لبنان. صحيح أنّ الزيارة غُلّفت بعناوين التعاون والتبادل الاقتصادي، إلا أنّ الطابع الأمني لم يكن غائباً عن تركيبة الوفد. وخلال لقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، بدا الإيرانيون مهتمين جداً بالمعطيات التي يمتلكها الرئيس، ولا سيما بعد موقفه السابق الذي استبعد اندلاع حرب واسعة على لبنان. وقد أبدوا حرصاً على الاستماع بدقة إلى تقييمه، وهو ما يعود إلى جولة اتصالات خارجية، فضلاً عن لقاءات دبلوماسية وأمنية أجراها عون مع شخصيات أميركية.
في هذا السياق، وُضع المسؤولون اللبنانيون في صورة تصاعد التهديدات ضد إيران، وطُلب من بعضهم، ولا سيما الأمنيين الذين يجرون لقاءات دورية مع الحزب، إعادة تفعيل تفاهم حزيران الماضي، الذي أدى حينها إلى تجنيب لبنان الانخراط في الحرب الإسرائيلية على إيران. كما بدأ هؤلاء ترتيب جدول أعمالهم على أساس أن تطورات استثنائية قد تكون وشيكة.