كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
شكّل الاجتماع الذي ترأسه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا حدثًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الدلالة، سواء من حيث توقيته أو من حيث مستوى التمثيل العربي والدولي الرفيع، في لحظة إقليمية شديدة الخطورة تتقاطع فيها الضغوط الميدانية المتصاعدة على الجنوب اللبناني مع إعادة تفعيل المسار الدولي الداعم لمؤسسات الدولة اللبنانية، وفي طليعتها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. فحضور مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، والموفد الفرنسي الوزير السابق جان إيف لودريان، والسفير الأميركي ميشال عيسى، إلى جانب سفراء السعودية ومصر وقطر وفرنسا، عكس بوضوح عودة الاهتمام الدولي المنظم بالملف اللبناني من زاوية أمنية ـ سيادية، لا إنسانية أو إغاثية فحسب.
وقد شكّل الاجتماع محطة تحضيرية أساسية لمؤتمر دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية المقرر عقده في باريس في الخامس من آذار المقبل، برعاية وافتتاح من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع عدم استبعاد مشاركة الرئيس عون، مع توافق واضح بين المجتمعين على إطلاق اتصالات دولية مكثفة لتأمين أوسع مشاركة ممكنة، بما يمنح المؤتمر بعدًا سياسيًا وماليًا وعمليًا يضعه في سياق إعادة بناء الثقة الدولية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها.
وبحسب أجواء اللقاء، استهل الرئيس عون الاجتماع بعرض تفصيلي ودقيق للوضع في الجنوب منذ الإعلان عن اتفاقية وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024 وحتى اليوم، واضعًا الحضور أمام سردية رسمية واضحة لما قامت به الدولة اللبنانية، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، لتنفيذ التزاماتها كاملة. وشرح الخطوات التي نفذها الجيش اللبناني ميدانيًا، والقرارات التي اتخذتها الحكومة، ولا سيما تلك التي هدفت إلى تعزيز انتشار الجيش جنوب الليطاني وتثبيت الاستقرار، إضافة إلى الإجراءات الإيجابية والنوعية التي التزم بها لبنان تنفيذًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية وللقرار الدولي 1701. في المقابل، شدد الرئيس عون على أن هذه الخطوات لم تلقَ أي تجاوب إسرائيلي، بل قوبلت بتصعيد متواصل وخروقات متكررة، ما وضع الجيش والدولة أمام تحديات إضافية في منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
في المقابل، عرض ممثلو الدول الخمس مواقفهم تباعًا، حيث كان الإجماع لافتًا على أولوية دعم الجيش اللبناني باعتباره العمود الفقري للاستقرار الداخلي والضامن الوحيد لتطبيق القرارات الدولية. وأكدوا أن أداء الجيش في المرحلة الماضية يُعد جيدًا ومحل تقدير واسع، سواء لجهة الانتشار أو ضبط الوضع الميداني أو مستوى التنسيق مع قوات “اليونيفيل”. إلا أن هذا التقدير رافقه تأكيد واضح على ضرورة الإسراع في تنفيذ قرار الحكومة الصادر في الخامس من آب والمتعلق بحصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، باعتباره مدخلًا أساسيًا لاستعادة الدولة دورها السيادي وشرطًا بنيويًا لتوسيع مظلة الدعم الدولي.
وفي هذا الإطار، حرص المجتمعون على تصحيح انطباع سائد في بعض الأوساط اللبنانية، مؤكدين أن مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي ليس مشروطًا لا سياسيًا ولا زمنيًا، وأن الهدف منه تمكين المؤسسة العسكرية من القيام بمهامها الوطنية في مرحلة شديدة الخطورة، لا استخدام الدعم كأداة ضغط. وأوضحوا أن المقاربة الدولية تقوم على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية بالتوازي مع تشجيعها على استكمال مسار بسط سلطتها، من دون ربط مباشر أو علني بين المساعدات وخطوات محددة، وإن كان الجميع متفقًا على أن التقدم في مسار حصرية السلاح يعزز تلقائيًا منسوب الثقة الدولية.
وعليه، يمكن قراءة اجتماع بعبدا كرسالة مزدوجة الاتجاه: رسالة دعم واضحة للعهد الجديد ولخيار الدولة ومؤسساتها، ورسالة سياسية ـ أمنية تؤكد أن المجتمع الدولي، رغم انشغالاته الإقليمية والدولية، ما زال يرى في الجيش اللبناني ركيزة أساسية لمنع الانفجار الداخلي وضبط تداعيات التصعيد على الحدود الجنوبية. كما يشكل الاجتماع تمهيدًا فعليًا لمؤتمر باريس، كحدث مالي داعم وكمنصة سياسية لتثبيت معادلة تقوم على دعم الجيش مقابل تمكين الدولة، في لحظة يبدو فيها لبنان أمام فرصة كبرى لترجمة هذا الدعم إلى استقرار فعلي وسيادة متدرجة.