IMLebanon

اتفاقية معراب… السُلّم الذي صعد عليه عون وسقط عنه

كتب العميد المتقاعد جوني خلف في “نداء الوطن”:

إن أهم ما حدث في المصالحة المسيحية الكبرى واتفاق معراب، أنه عرّى الجميع أمام الرأي العام المسيحي خصوصًا. فلو تفاعل ميشال عون مع مقتضيات المصالحة بعد زيارته معراب، لكان في عداد الرابحين، لكن خسارته صنعها بيديه!

اتفاق معراب، الذي وُقع في 18 كانون الثاني 2016، أو المصالحة التاريخية للمسيحيين، لم يكن تفصيلًا سياسيًا عابرًا ولا مناورة ظرفية، بل محطة مفصلية في التاريخ السياسي المسيحي بعد سنوات طويلة من الانقسام والقطيعة. يومها قُدّم الاتفاق كفرصة نادرة لطيّ صفحة الصراع المسيحي- المسيحي، وبناء شراكة متوازنة داخل الدولة، وتوحيد الموقف في الاستحقاقات الكبرى، على قاعدة الالتزام لا الغلبة، والتنسيق لا الاستفراد. غير أن الوقائع التي تلت التوقيع أثبتت أن الاتفاق لم يُجهَض صدفة، بل أُفرغ من مضمونه بشكل متعمّد ومنهجي على يد “التيار الوطني الحر”، الذي تعامل معه كوسيلة للوصول إلى الهدف، لا كتعهد سياسي وأخلاقي طويل الأمد.

بعد أقل من عشرة أشهر، وتحديدًا في 31 تشرين الأول 2016، تحقق الهدف المركزي لـ “التيار” بإيصال العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. عند تلك اللحظة بدأ المسار الانقلابي يتظهّر بوضوح. فبدل الانتقال إلى مرحلة الشراكة التي نصّ عليها الاتفاق، اتجه التيار إلى تكريس منطق الاستئثار بالقرار داخل السلطة التنفيذية، وضرب مبدأ التنسيق السياسي، وتهميش الشريك الذي وفر الغطاء المسيحي الأوسع للاستحقاق الرئاسي.

في الحكومات المتعاقبة بين 2016 و2019، سقط مفهوم الشراكة عمليًا. التعيينات الإدارية والعسكرية والأمنية جرى التعامل معها وكأن اتفاق معراب لم يكن موجودًا أصلًا. ومع كل استحقاق حكومي أو إداري، كان “التيار” يقدّم مصلحته الخاصة على أي التزام سابق، إلى حدّ تحوّل الاتفاق إلى ورقة بلا قيمة سياسية. وهكذا، أُسقط البند الجوهري فيه، توحيد الصفّ المسيحي. فبدل أن يكون الاتفاق رافعة لتعزيز الدور المسيحي داخل الدولة، استُخدم لتعزيز نفوذ فريق واحد داخل المؤسسات، ما أعاد إنتاج الانقسام بشكل أشدّ وأعمق، وأدخل الشارع المسيحي في مرحلة إحباط وفقدان ثقة.

انقلاب “التيار الوطني الحر” على اتفاق معراب لم يكن حالة معزولة، بل انسجم مع نهج سياسي متكرر. فكما انقلب لاحقًا على تفاهم مار مخايل الموقع عام 2006 عندما تبدّلت الحسابات الانتخابية والشعبية، وكما بدّل تحالفاته داخل الحكومات عند أول مفترق مصالح، انقلب أيضًا على شركائه داخل بيته السياسي نفسه، فأقصى قياديين تاريخيين كانوا من صلب تأسيسه، فقط لأنهم رفضوا منطق القرار الأحادي والزعامة المغلقة. هذا السلوك لم يكن اختلافًا في وجهات النظر، بل كان نمطًا ثابتًا: توقيع عند الحاجة، ثم تخلّ عند انتهاء الاستفادة، يليهما خطاب يتقمّص دور الضحية.

أما “القوات اللبنانية” والدكتور سمير جعجع، فقد التزما اتفاق معراب التزامًا كاملًا منذ لحظة توقيعه وحتى لحظة إسقاطه. دخلت “القوات” هذا الاتفاق من منطلق سياسي واضح يقوم على طيّ صفحة الانقسام المسيحي وبناء شراكة حقيقية داخل الدولة، لا على قاعدة الغلبة أو الاستئثار. وقدّم الدكتور جعجع يومها تنازلًا سياسيًا كبيرًا خدمةً لمشروع توحيد الصفّ المسيحي، إيمانًا بأن هذه الخطوة تشكّل مصلحة وطنية عليا. لكن ما واجهته “القوات” لاحقًا لم يكن شراكة، بل انقلابًا صريحًا على الاتفاق نفذه “التيار” بعد أن حقق الهدف الأساسي منه. وبذلك، لم تكن “القوات” طرفًا في إسقاط الاتفاق، بل كانت من أوائل من دفعوا ثمن هذا الانقلاب السياسي الممنهج.

ورغم هذا المسار، واصل التيار تسويق نفسه للرأي العام على أنه الضحية الدائمة، وكأن كل من انتقد سلوكه أو طالب بتطبيق الاتفاق متآمر عليه. غير أنّ الوقائع تقول عكس ذلك. فالتراجع الواضح في شعبيته منذ انتخابات 2018 وصولًا إلى انتخابات 2022 لم يكن نتيجة استهداف خارجي، بل نتيجة مباشرة لنهج قائم على الانقلاب، وتبديل المواقف، وضرب الالتزامات، ثم تحميل الآخرين مسؤولية الفشل.

هو تيار اعتاد على الانقلابات، على خيانة الاتفاقات، على استعمال الحليف كجسر عبور، ثم رميه في أول مفترق.

الورقة الحقيقية انكشفت، هو تيار مصلحي أولًا، سلطوي ثانيًا، وغير أمين على أي اتفاق ثالثًا.

في المقابل، القيصر الحقيقي الذي لم يهتز، الذي بقي ثابتًا في قيمه، في صدقه، في التزامه، هو الدكتور سمير جعجع، لم يخسر لحظة واحدة احترام الناس. لم يفقد قاعدة “القوات”، لم يتراجع موقعه القيادي بل العكس، اتفاق معراب رفع من شأنه لأنه أثبت أنه رجل دولة وليس رجل مكاسب.

الخلاصة أن اتفاق معراب كان فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة داخل الشارع المسيحي، ولخلق نموذج شراكة يمكن تعميمه على مستوى الدولة. لكن “التيار الوطني الحر” اختار إعدام هذه الفرصة بيده، لا عن خطأ أو سوء تقدير، بل عن قناعة بأن المصلحة الآنية تتقدّم على أي التزام. فرّغ الاتفاق من مضمونه، أسقط جوهره، وضرب الهدف الأسمى فيه، توحيد الصفّ المسيحي. ومن اعتاد الانقلاب على الاتفاقات لا يبني دولة ولا يحافظ على ثقة، ولا يحق له أن يدّعي المظلومية. فالتاريخ لا يرحم من يوقع ليصل، ثم ينقلب ليحكم، ثم يلوم الجميع على نتائج خياراته. هذه ليست أزمة اتفاق سقط، بل إدانة نهج كامل، واللبنانيون والمسيحيون تحديدًا باتوا يعرفون تمامًا من وقع لبناء شراكة، ومن وقع ليهدمها.

ما كُتب هنا ليس اجتهادًا سياسيًا، بل حقيقة راسخة وصلت إلى كل بيت مسيحي.

التيار اختار الانقلاب فخسر اللعبة. و”القوات” اختارت الالتزام فربحت الحاضر والرأي المسيحي الذي لو لم يصل عون عبر هذا الاتفاق لظن هذا الرأي العام، أنه المنقذ ومنحه انتقامًا أكثرية نيابية ساحقة. لكن انكشافه عبر اتفاق معراب، جعل “القوات” تتجاوز نهائيًّا التضليل الذي لحق بها من غش الرأي العام المسيحي، وبالتالي حصاد هذا الرأي العام واستعادته بعد سنوات طويلة على غرقه في عتمة عون، وكما ربحت “القوات اللبنانية” من خلال اتفاق معراب المسحيين من جديد وعادت لتمثل ضميرهم والأكثرية، فإن سمير جعجع ربح التاريخ.