يمضي المشهد اللبناني في خطين متناقضين، خط الدولة اللبنانية الملتزمة اتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار 1701 والمصممة على استكمال مسار حصرية السلاح على يد الجيش اللبناني، وخط إسرائيل المواظبة على تكريس روتين الاعتداء والاستهداف من جنوب لبنان إلى البقاع الغربي ومحيط بعلبك وجرودها، وكأن هذا الأمر الواقع بات قدر سكان هذه المناطق الذين يحيون على إيقاع الإنذارات الإسرائيلية والاستهدافات التي لا توفر المباني السكنية والمدرسية.
وفيما يواصل لبنان الرسمي جهوده الديبلوماسية لدى القوى المؤثرة للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، تواصل إسرائيل ضغطها العسكري على لبنان، ويخشى أن تزيد من وتيرته في المرحلة المقبلة بتوسيع جغرافيا الضربات لتطول الضاحية الجنوبية لبيروت التي لا تزال منذ فترة بمنأى عن الاستهداف، وهي التي تصنف كمأوى لبيئة الثنائي الشيعي.
وحمل التصعيد الإسرائيلي الأخير ردا سريعا على حركة الموفدين. وكان التحرك الاستثنائي لـ «اللجنة الخماسية» في العاصمة اللبنانية، وتوسع دائرته على مدى يومين من اللقاءات والحوارات المعمقة، بثا جوا من الطمأنينة وأعطيا الكثير من الإشارات الايجابية. تحرك لم يستهدف إبعاد شبح الحرب فحسب، بل قدم دعما كبيرا وثقة وازنة للحكومة بسياستها، وحضها على متابعة الخطوات التي اتخذتها، سواء لجهة تمسكها بحصرية السلاح بيد الدولة وحدها، رغم كل التحديات والعراقيل في ظل الأجواء الإقليمية المشحونة، أو على صعيد الاستمرار في الخطوات الإصلاحية المطلوبة والتي أخذت جانبا مهما من النقاش خلال الاجتماعات الأخيرة.
وقال مصدر نيابي بارز لـ «الأنباء» ان التصعيد المتدرج يهدف إلى تشديد الضغط على لبنان، الذي يرفض الإذعان للشروط الإسرائيلية حول التفاوض، مع تشديده على التمسك بلجنة الإشراف على وقف النار (الميكانيزم)، كغطاء ثابت لأي تفاوض. وهو لبى المطلب الدولي بتوسيع هذه اللجنة من خلال إشراك ديبلوماسي في عضويتها، من دون الذهاب أبعد من ذلك في أي نقاش أو حوار قبل اتخاذ إسرائيل خطوات مقابلة على صعيد تلبية أي من الأهداف اللبنانية الأربعة وهي: الانسحاب حتى الحدود الدولية، وإطلاق الأسرى، والسماح لأبناء القرى الحدودية بإعادة الاعمار، ووضع حد لهذا العدوان اليومي المستمر والمتمادي.
وأضاف المصدر: ان توقيت هذا التصعيد الإسرائيلي، وبعد قرار تحديد موعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في 5 آذار المقبل، يحمل أكثر من رسالة واضحة حول خطة الانتشار شمال الليطاني من خلال توسيع الاستهدافات التي تطول تلك المنطقة. ولا شك في ان قيادة الجيش وهي تعكف على وضع خطة لنزع السلاح في هذه المنطقة الأصعب والمفصلية تأخذ في الاعتبار كل التحديات الداخلية منها والخارجية، وبعضها قد يحتاج إلى مسعى إقليمي خصوصا على صعيد المخيمات الفلسطينية.
رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ترأس اجتماعا أمنيا في قصر بعبدا، حضره وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، ووزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء رائد عبدالله، والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، والمدير العام لأمن الدولة اللواء ادغار لاوندس، ونائبه العميد مرشد الحاج سليمان، ومدير المخابرات في الجيش العميد طوني قهوجي، ورئيس فرع شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي العميد محمود قبرصلي، ورئيس المعلومات في الامن العام العميد طوني الصيصا.
وأثنى رئيس الجمهورية على «التعاون والتنسيق القائمين بين القوى الأمنية على مختلف المستويات، مع التشديد على أهمية استمرار الجهوزية الأمنية والمتابعة الدقيقة وتوفير المعطيات التي تؤمن حسن سير العمل الأمني»، واعتبر أن «المرحلة المقبلة تحتاج إلى جهود إضافية لترسيخ الأمن والأمان في البلاد»، مشيرا إلى أن «مجلس الوزراء في صدد تحسين رواتب العسكريين، أسوة برواتب العاملين في القطاع العام»، متمنيا على الوزيرين منسى والحجار إعداد الدراسات اللازمة لإعادة النظر في رواتب العسكريين وتعويضاتهم، وطلب من «الأجهزة الأمنية إعداد تقارير دقيقة حول حاجاتها، ليكون المشاركون في مؤتمر باريس في 5 آذار المقبل على بينة منها، بما يحقق أهداف هذا المؤتمر».
وقالت مصادر مطلعة ان ملف الانتخابات النيابية يشهد حضورا دائما على طاولة البحث والنقاش، وسط اصرار دولي على اجرائها في موعدها وعدم الدخول في متاهات التأجيل حتى وان كان تقنيا. وقد عبرت عن ذلك «اللجنة الخماسية» خلال اللقاءات التي عقدتها، والاتصالات التي أجرتها مع أكثر من مسؤول معني على هامش محادثاتها الموسعة في بيروت.
وذكرت المصادر انه على رغم التمسك والإصرار على حصول هذا الاستحقاق في موعده، تتوسع دائرة الأطراف السياسية المروجة لتأجيل هذه الانتخابات ولو من باب التمديد التقني، من أجل التوصل إلى تفاهم حول موضوع اقتراع المغتربين داخل لبنان او خارجه.
وفي معلومات خاصة بـ «الأنباء» أن ثمة طرحا لخبراء في الشأن الانتخابي حول اقتراع المغتربين يقضي بوضع صناديق مخصصة لهم في مطار رفيق الحريري الدولي على مدى الأسابيع الثلاثة التي تسبق موعد الاستحقاق الانتخابي النيابي، خصوصا إذا ما أرجئ إلى الصيف. وهكذا تتمكن نسبة جيدة من الاقتراع، وهذه التجربة خاضتها بعض الدول من بينها تركيا.

