Site icon IMLebanon

“الحزب” في مواجهة الدولة… وسلاح ابتزاز الحرب الأهلية

كتب نخلة عضيمي في “نداء الوطن”:

لم يكن “حزب اللّه” يومًا جزءًا من الدولة اللبنانية، ولا سعى يومًا إلى أن يكون كذلك. منذ لحظة تأسيسه، قام على فكرة واحدة ثابتة: تقويض مفهوم الدولة كمرجعية وكسلطة وكصاحبة قرار. وكلّ ما عدا ذلك، من شعارات الشراكة والعيش المشترك و “الوطن النهائي” لم يكن سوى غلاف سياسيّ لواقع مغاير تمامًا.

فـ “حزب اللّه” لم يولد من رحم الدولة، بل من انهيارها، ولم يعمل على إعادة بنائها، بل على الاستفادة من ضعفها. في أدبياته الأولى، لم يعترف بلبنان أصلًا، وفي ممارساته اللاحقة لم يعترف به كدولة.

“حزب اللّه” والدولة ما بين 1985 و 2019

في “الرسالة المفتوحة” عام 1985، أعلن “الحزب” صراحة رفضه الكيان اللبناني بصيغته القائمة، واعتبره نتاجًا استعماريًا. هذا الموقف لم يسحب لاحقًا، بل أعيد تغليفه.

بعد الطائف، دخل “الحزب” مؤسسات الدولة لا ليحميها، بل ليشلّها. استخدم البرلمان والحكومة درعًا سياسية، وأقام منظومته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة. وهكذا، نشأت معادلة شاذة: دولة بلا سيادة، و “حزب” بلا محاسبة. هذه المعادلة لم تكن تسوية موقتة، بل تحوّلت إلى نظام دائم، فرض بالقوّة عند كلّ محاولة لكسره.

عام 2005، ومع انسحاب الجيش السوري، وضع “الحزب” للمرّة الأولى أمام احتمال قيام دولة، ولو بالحدّ الأدنى. كان الردّ واضحًا: شدّ القبضة، ورفع السقف، والتعامل مع أيّ محاولة لاستعادة القرار الوطني كتهديد وجوديّ.

حرب تموز 2006 جاءت بقرار خارج الدولة، ودمّرت البلاد باسمها، ثمّ فرض على الدولة أن تتحمّل النتائج، فيما خرج “الحزب” ليكرّس نفسه قوّة فوق كلّ شيء.

لكن المحطة الأخطر كانت في 7 أيار 2008. هناك، سقطت كلّ الأقنعة. استخدم “الحزب” سلاحه في الداخل، ضد اللبنانيين، لفرض معادلة سياسية وأمنية. منذ ذلك اليوم، انتهى أيّ وهم: الدولة لم تعد شريكًا، بل تحوّلت إلى رهينة. وأيّ محاولة لبناء الدولة تواجه فورًا باتهامات التخوين، ثمّ بالتهديد، ثمّ باستحضار شبح الحرب الأهلية.

عام 2011، ذهب “الحزب” إلى الحرب السورية بلا أيّ قرار وطنيّ، وربط مصير لبنان بمحور إقليميّ مفتوح على كلّ الاحتمالات.

بعد الـ 2019، ومع الانهيار الشامل، استخدم نفوذه لتعطيل أي مسار محاسبة أو إصلاح يهدّد منظومته أو حلفاءه، وفي كلّ محطة، كان الثابت واحدًا: الدولة إمّا خاضعة، أو مشلولة، أو مهدّدة.

“حزب اللّه”…سقط القناع الأخير، فماذا عن الجيش؟

اليوم، يسقط “الحزب” آخر الأقنعة. لم يعد يكتفي بتعطيل الدولة، بل عاد إلى لعبته الأقدم: التلويح بالحرب الأهلية، إذ بات يستخدمها كأداة ابتزاز علنية. والرسالة واضحة: إمّا القبول بسلاحنا، ونفوذنا، وقرارنا، وإمّا الفوضى.

لكن السؤال الجوهريّ: هل يستطيع “حزب اللّه” فعلًا فرض حرب أهلية جديدة؟

الجواب الواقعي: لا.

فالحقيقة التي يحاول “الحزب” طمسها هي الآتية: هو غير قادر على فرض حرب أهلية شاملة ليس لأنه يرفضها أخلاقيًا، بل لأنه يعرف أنه غير قادر على التحكّم بنتائجها. فالحرب الأهلية لم تعد نزهة ميليشيات كما في السبعينات إذ إن الظروف تغيّرت، والمجتمع اللبناني منهك، والبيئة التي يستند إليها “الحزب” مثقلة بالأزمات ولم تعد تحتمل مغامراته العسكرية، وأيّ انفجار واسع لن يكون قابلًا للضبط أو الاستثمار وسيهدّد بنية “الحزب” نفسها.

والأهمّ من ذلك، أن هناك عاملًا لا يستطيع “الحزب” تجاهله أو كسره بسهولة: الجيش اللبناني.

فالمؤسّسة العسكرية لا تزال المؤسّسة الوطنية الوحيدة الأكثر تماسكًا، وتحظى بشرعية داخلية عابرة للطوائف، وبدعم دولي يمنع تفكّكها.

كما أن أيّ حرب أهلية حقيقية تعني تلقائيًا إمّا تحييد الجيش أو الصدام معه. لكن الخيار الأوّل مستحيل في ظلّ التوازنات الداخلية والإقليمية والدولية، والثاني، مقامرة وجوديّة يعرف “الحزب” أنها قد تنتهي بكسر احتكاره القوّة، لا بتكريسه.

المهلة الزمنية لحصر السلاح شمال الليطاني: كيف سيتصرّف “حزب اللّه”؟

ما يلوّح به “الحزب” ليس حربًا، بل “فزاعة حرب” وابتزازًا سياسيًا في إطار استراتيجية قديمة – جديدة للردع الداخليّ. وهذا التلويح تصفه قوى سياسية مسؤولة بالسلاح النفسيّ لإبقاء الجميع في حالة شلل لا سيّما أن “الحزب” يعرف أنه غير قادر على حكم لبنان بالقوّة، كما يعرف أن أيّ انفجار شامل سيأكل بيئته قبل خصومه. وما يريده هو استمرار دولة ضعيفة، عاجزة، خائفة، لا تجرؤ على طرح السؤال السيادي، ولا تملك القدرة على فرضه.

من هنا، إذا بقي نظام الملالي في إيران صامدًا، وإذا طرح قائد الجيش رودولف هيكل رؤيته مطلع شباط أمام مجلس الوزراء مقرونة بمهلة زمنية لنزع سلاح “حزب اللّه” شمال الليطاني وبوشر التنفيذ، فإن “حزب اللّه” قادر فقط على فرض شلل سياسي، واستخدام العنف الموضعي والمحدود، وتغذية الخوف من الفوضى كبديل عن التغيير. لكن الخطر الحقيقي إذا جاءت أجندة القيادة العسكرية من دون مهلة زمنيّة. فهذا الأمر سيفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات الإسرائيلية وسيزعزع الثقة الدولية بالعهد. والأخطر من ذلك أنه سيحوّل لبنان إلى كيان معلّق بين اللاسلم واللادولة.

فماذا سيختار أركان الدولة؟ وهل سيرضون بالابتزاز وفق معادلة: دولة ممنوعة من أن تكون دولة، والبديل هو الفوضى؟