IMLebanon

نعيم قاسم… الأيديولوجيا وسيلة لتدمير الدولة

خاص “نداء الوطن”:

ماذا يمكن أن ينتظر لبنان من شخصية مثل نعيم قاسم؟ من رجل لا يرى في الدولة سوى كيان عابر، ولا يعترف بالسيادة إلا بقدر ما تخدم مشروعًا عقائديًا فوق وطني، ولا يتعامل مع السلم الأهلي إلا كورقة ضغط قابلة للحرق عند الحاجة. السؤال ليس افتراضيًا، بل ملحّ وواقعي، لأن المسار الفكري والسياسي والأمني لنعيم قاسم يقدّم، بوضوح فاقع، صورة عن نوع الشخصية التي تحاول فرض أيديولجيتها اليوم على مستقبل اللبنانيين، وعن المخاطر التي تحملها هذه الشخصية العقائدية على المجتمع الشيعي ومستقبل شبابه… قاسم لا يرى مستقبل للشباب بعيدًا عن ما يسميه “ثقافة المقاومة”.

يُعدّ نعيم قاسم، الذي عُيّن أمينًا عامًا لـ “حزب الله” في تشرين الأول 2024 عقب اغتيال حسن نصرالله، أحد الأعضاء المؤسسين لـ “الحزب”، والعقل الأساسي الذي صاغ بنيته الأيديولوجية ونموذجه الموازي للدولة اللبنانية. وعلى مدى سنوات طويلة، اعتُبر داخل الأوساط السياسية والإعلامية شخصية ثانوية، باهتة الحضور، وخيارًا افتراضيًا لا أكثر، مقارنةً بسلفه. إلا أن مسؤولين لبنانيين باتوا يصفونه اليوم بالمسمار المدقوق في جسد الدولة اللبنانية، لا بسبب ضعف شخصيته، بل على العكس تمامًا، بسبب تصلّبه العقائدي وتشدد رؤيته السياسية والاجتماعية إلى حدّ يفوق ما كان عليه نصرالله نفسه.

فنعيم قاسم ليس مجرّد قائد تنظيمي، بل هو المنظر العقائدي الأول في “حزب الله”، وصاحب الدور المركزي في تحويل “الحزب” من تنظيم مسلّح إلى منظومة فكرية – اجتماعية متكاملة. وقد ألّف أكثر من خمسة عشر كتابًا تشكّل الأساس النظري لما يسمّيه الحزب “مجتمع المقاومة”، حيث لا فصل بين السياسة والدين والسلاح، ولا وجود لمفهوم الدولة الحديثة كما هو متعارف عليه. وفي قلب هذا التصوّر، يقف قاسم كأحد أكثر المدافعين تشددًا عن مبدأ ولاية الفقيه، وقد عبّر صراحة عن رغبته في إقناع مختلف الطوائف اللبنانية باعتناق النموذج الثيوقراطي الإيراني، معتبرًا أن هذا النموذج ليس خيارًا شيعيًا فحسب، بل صيغة حكم “صالحة” للبنان بكل مكوّناته. وهو يؤكد، في كتاباته وخطاباته، أنّ لـ “حزب الله” قيادة واحدة متمثلة بمجلس الشورى، الذي يدير في آنٍ واحد العمل السياسي والعسكري والاجتماعي، من دون أي فصل أو تمايز في الوظائف، بما يلغي جوهريًا فكرة التعدديّة أو الرقابة أو التداول.

ومن هذا المنطلق، لم يكتفِ قاسم بالتنظير، بل انتقل إلى هندسة طويلة الأمد لما يسمّيه “ثقافة المقاومة”. فبصفته المشرف على جمعية التعليم الديني الإسلامي، أشرف بشكل مباشر على إعداد مناهج وبرامج تربوية هدفت إلى إعادة تشكيل وعي المجتمع الشيعي، ونقله من فضاء الحياة المدنية إلى فضاء التعبئة الدائمة، حيث تصبح الحرب حالة طبيعية، والاستشهاد مسارًا متوقعًا، لا استثناءً. وقد ساهمت هذه السياسات التربوية في تكريس منطق الصراع المفتوح، وإدخال أجيال كاملة في دورة أيديولوجية مغلقة، تقوم على نفي الآخر، وتقديس العنف، وإلغاء فكرة الدولة كمرجعية نهائية.

ويتكامل هذا التشدّد السياسي مع رؤية اجتماعية بالغة الانغلاق. ففي مؤلفاته، ولا سيما في كتابه “قصتي مع الحجاب”، يعكس قاسم مقاربة تمييزية حادة تجاه المرأة، حيث يصوّر المرأة المطلّقة كعنصر تهديد للبنية الأخلاقية والاجتماعية، في خطاب يعيد إنتاج مفاهيم الإقصاء والوصاية، ويتناقض جذريًا مع أي تصور حديث للحقوق الفردية أو المساواة المدنية.

غير أن خطورة نعيم قاسم لا تقتصر على الجانب الفكري والاجتماعي، بل تمتد مباشرة إلى البنية الأمنية والمالية العابرة للحدود التي يديرها “حزب الله”. فبصفته عضوًا قديمًا في مجلس الشورى، ارتبط اسمه مباشرة بالشبكات الدولية التي شكّلت العمود الفقري لعمل “الحزب” خارج لبنان والذي يديرها اليوم شقيق الأمين العام السابق لـ “حزب الله” هاشم صفي الدين، ويُدعى عبدالله. وفي عام 2018، صنفته وزارة الخزانة الأميركية، إلى جانب سبع دول ضمن مركز استهداف تمويل الإرهاب، من بينها السعودية والإمارات، إرهابيًا عالميًا محددًا، لدوره في إدارة ما وُصف صراحة “بالتخطيط الإرهابي العالمي” لـ “حزب الله”.

وفي الإطار نفسه، شكّل الغطاء السياسي – العقائدي الذي يمثله قاسم عنصرًا أساسيًا في توسّع أنشطة “الحزب” الإجرامية، ولا سيما شبكات تبييض الأموال وتجارة المخدرات، وعلى رأسها الكبتاغون، إضافة إلى مسارات التهريب الممتدة عبر فنزويلا وأميركا اللاتينية. كما وفر الإطار الفكري والسياسي لما يُعرف بمنظمة الجهاد الإسلامي، أو الوحدة 910، المسؤولة عن عمليات خارجية بارزة، من بينها تفجير حافلة بورغاس في بلغاريا عام 2012، وتفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس عام 1994، في واحدة من أخطر الهجمات الإرهابية في تاريخ أميركا اللاتينية.

وعلى المستوى الداخلي، يقوم مشروع نعيم قاسم على إنكار شبه كامل لوجود الدولة اللبنانية كمرجعية سيادية. فهو أعلن مرارًا وبلا مواربة أنّ “حزب الله” لن يسلّم سلاحه أبدًا”، وذهب في آب 2025 إلى التهديد بأنه “لا حياة في لبنان” إذا حاولت الدولة فرض احتكار السلاح. ويصنف أي محاولة لنزع السلاح على أنها “انتحار سياسي” و “مشروع إسرائيلي – أميركي مقنع”، في خطاب يشرعن مسبقًا العنف الداخلي، ويضع السلم الأهلي رهينة قرار حزبي.

في مطلع عام 2025، نشر قاسم رسالة مفتوحة حذر فيها رئيس الجمهورية جوزاف عون من الدخول في أي مسار تفاوضي مع إسرائيل، مؤكدًا ما سمّاه “الحق الكامل للمقاومة” في مواجهة أي محاولة يقوم بها الجيش اللبناني لجمع السلاح، في تحدّ مباشر للمؤسسة العسكرية وللدستور ولمنطق الدولة. ويتكامل هذا التحدّي مع إشرافه على جمعية “القرض الحسن”، التي تعمل كنظام مصرفي خارج عن القانون، متجاهلة السلطة النقدية والرقابية، وقد وصلت إلى حدّ استبدال صور رئيس الجمهورية في فروعها بصور قادة “حزب الله”، في مشهد رمزي فاضح لسلطة موازية لا تخفي استخفافها بالدولة.

ولعلّ أخطر ما في مسيرة قاسم هو استخدامه العلني لتهديد الحرب الأهلية كأداة سياسية. فقد اشتهر بتهديده الصريح بأن التحقيق الذي أجرته المحكمة الخاصة بلبنان في اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيؤدي إلى “انفجار في البلد”، في محاولة مباشرة لتعطيل العدالة عبر التخويف، وربط المحاسبة القضائية بالأمن الأهلي.

إقليميًا، لم يتردّد قاسم في تحويل “حزب الله” إلى أداة عسكرية عابرة للحدود، في خدمة المشروع الإيراني. وكان من أبرز المبرّرين لتدخل “الحزب” في سوريا، معتبرًا دعم نظام بشار الأسد أولوية استراتيجية تتقدّم على مبدأ النأي بالنفس وعلى مصلحة لبنان. كما أقرّ علنًا بأن قادة من “حزب الله” أمضوا نحو تسع سنوات، بين 2015 و2024، في اليمن، لتطوير القدرات القتالية للحوثيين، بما يشمل الطائرات المسيّرة والتدريب على الهجمات البحرية التي هددت الملاحة الدولية في البحر الأحمر. ويواصل، حتى اليوم، الترويج لفكرة “وحدة الساحات”، معتبرًا أن الصراع مع إسرائيل هو جبهة إقليمية واحدة تشمل غزة والعراق واليمن، ما يُبقي لبنان، عن قصد، ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.

في المحصلة، تكمن خطورة نعيم قاسم في أنه لا يملك حتى هامش البراغماتية، بل يعتمد نهجًا عقائديًا جامدًا وغير قابل للتسوية، يقوم على إخضاع لبنان لمعادلة الولاية الإيرانية، بالقوّة إن لزم الأمر. فهو يعمل بصورة منهجية على تفريغ الدولة اللبنانية من مضمونها، عبر الإبقاء على قوة عسكرية معينة واقتصاد غير شرعي، مقرونين بتهديد دائم بـ “الانفجار الداخلي” كلما حاولت الدولة استعادة سيادتها وقرارها الوطني، وهو لم يتأخر في توجيه انتقادات لوزير الخارجية اللبنانية يوسف رجي عقب تصريحاته التي أكدت البيان الوزاري لناحية حصرية السلاح بيد الدولة. كما كانت لقاسم مواقف واضحة عبر شيطنة الحكومة الحالية واعتبارها “حكومة العدو” بعد اتخاذها قرارًا في 5 آب 2025 يرمي إلى سحب سلاح كل التنظيمات المسلحة غير الشرعية احترامًا للدستور ولاتفاق وقف الأعمال العدائية الذي وقع في تشرين الثاني 2024 بين لبنان وإسرائيل.