كتبت محمد دهشة في “نداء الوطن”:
يحتدم الجدل في مدينة صيدا حول مستقبل منطقة الوسطاني الشرقية، حيث تتقاطع مصالح أبناء المدينة مع مصالح ملاك العقارات والمطوّرين العقاريين، لتصبح قضية الضمّ والفرز العقاري محور نقاش ساخن بين مختلف الأطراف. ترافق هذا النقاش إشكالية رفع الإشارات عن العقارات، وهو إجراء يبدو بسيطًا على الورق، لكنه يحمل تبعات واسعة على التخطيط العمراني، البنية التحتية، والنسيج الاجتماعي للمدينة.
من جهة، يسعى بعض ملاك الأراضي والمطوّرين العقاريين للاستفادة من هذه الخطوة لتطوير عقاراتهم، بينما تخشى البلدية والسكان أن تؤدي أي خطوة سريعة وغير مدروسة إلى عشوائية في البناء، أزمات في السير، وضغط على الخدمات والمرافق العامة. هذه المخاوف تتداخل مع غياب رؤية شاملة للمنطقة، حيث تعتمد التخطيطات الحالية على مخططات هندسية تعود إلى عام 1967، لا تتناسب مع احتياجات المدينة المعاصرة ولا تراعي المعالم البيئية والثقافية المهمة في الوسطاني.
في هذا السياق، يبدو أن أي قرار متسرّع بشأن إزالة الإشارات قد يضع المدينة أمام خطر تأسيس واقع جديد يصعب التحكم فيه أو إدارته لاحقًا، ويثير تساؤلات حول أولويات المصلحة العامة وقدرة المجلس البلدي على حماية هوية المدينة وحياة سكانها. من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى دراسة متأنية، واستشارة خبراء التخطيط والتصميم المديني، وفتح نقاش عام يشارك فيه جميع المعنيين قبل اتخاذ أي قرار قد يحدد مستقبل منطقة الوسطاني لعقود قادمة.
وقد واكبت رئيسة لجنة تنظيم المدينة والتنمية الحضرية في بلدية صيدا المهندسة براء الحريري هذا الملف الساخن وأعدت دراسة وتوصيات حول مستقبل منطقة شرق الوسطاني وإشكالية الضمّ والفرز ورفع الإشارات عن العقارات؛ حيث أوضحت لـ “نداء الوطن” بعض التفاصيل، مشيرة إلى أن منطقة الوسطاني الشرقية تشكل حلقة وصل بين بلدية صيدا والتوسع العمراني لصيدا الكبرى الممتدّ إلى بلديات شرق المدينة. كما تمثل الرابط بين السهل الصيداوي والتلال والبلديات المجاورة، وتضمّ على حدودها معالم ومفاصل أساسية في المدينة، من بينها نهر الأولي، وطريق النافعة/ السلطانية، وخط سكة الحديد، وتخطيط الأوتوستراد العربي. وتمثل هذه المنطقة نحو 17 % من إجمالي مساحة مدينة صيدا.
وأوضحت الحريري أن مسؤولية البلدية الأساسية هي تنظيم الأراضي وتخطيط المدينة لتحقيق المصلحة العامة، لكن غياب رؤية شاملة لمنطقة شرق الوسطاني يمثل المشكلة الأساسية، خاصة إذا أُلغي مشروع الضمّ والفرز. وأضافت أن إزالة الشارات أصبحت مطلبًا لبعض الجهات والمطورين العقاريين، ما شكل ضغطًا على البلديتين السابقة والحالية وأعاق اتخاذ القرارات المناسبة نتيجة تأخر تمويل وتنفيذ المشروع.
وتعني الرؤية الشاملة إعداد مخطّطات هندسية، ووضع رؤية للنقل، وتقديم توجيهات لتصميم النسيج العمراني، إلى جانب وضع استراتيجية لحماية المعالم الأثرية والثقافية والبيئية، وغيرها من السياسات التي تضمن تطوير المنطقة بما يخدم المصلحة العامة والخاصة معًا.
وقالت الحريري إنه في حال إزالة الإشارات عن عقارات الوسطاني بشكل فوري، فلن تستطيع البلدية منع ملاك الأراضي من البناء أو إفراز العقارات بعد إزالة الإشارات، إذ لهم الحق في الاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، والحصول على أحكام قانونية تسمح لهم بالبناء وفق القانون اللبناني. لذلك، يجب على رئاسة البلدية وأعضاء المجلس عدم التسرع في أي قرار يتعلق بإزالة الإشارات عن العقارات، قبل بلورة رؤية واضحة ومدروسة للبلدية.
وأضافت: كما إن إزالة الإشارات ستتيح لملاك الأراضي إقامة طرقات وإفراز عقارات ومشاريع “موقتة”، ما يؤدي لعشوائية البناء وزيادة الضغط على البلدية لرفع عدد الطوابق. وأوضحت أن حي زهور وحي النجاصة في صيدا نموذج يعاني من تراكم الباطون، مشاكل السير، وغياب المساحات العامة، ما يهدد بأزمات بنى تحتية ستستمر للإدارات القادمة.
ورأت أن المشكلة في منطقة الوسطاني لا تتعلق بإشارات الضم والفرز فحسب، بل تشمل أيضًا التخطيط العربي الذي يقسم مساحات شاسعة من العقارات، وهو أولوية لرفعه أو إعادة النظر بموقعه، بدل الاستعجال في إزالة إشارات الضم والفرز. إذ إن إزالة الإشارات تعني اعتماد مخطط 1967، وهو مخطط قديم يركّز على تنظيم الطرقات للسيارات فقط، دون الأخذ بالاعتبار تصميم المدينة بشكل حضاري وسليم، وهو ما يحلم به أبناء صيدا.
وهل تم إعداد مخطط تفصيلي للنسيج العمراني الجديد يحدد عدد الطوابق، التراجعات، والمساحات العامة والخضراء قبل أي خطوة تنفيذية؟ قالت الحريري: “للأسف، لا توجد رؤية شاملة حتى الآن، لكن الشروع في الدراسات سيمكّن من إعداد مخططات تحدد الإفراز العقاري، ونسب الاستثمار السطحي والأفقي، وعدد الطوابق، والتراجعات، والتلاصق بين المباني، مع توجيهات معمارية لنسيج عمراني متناسق وإنساني، ومعايير بيئية وخضراء، وتحديد مواقع المساحات الخضراء ضمن العقارات الخاصة”.
وأضافت أنه لا يمكن حل أزمات السير بفعالية دون رؤية شاملة لمنطقة الوسطاني، تشمل خطة نقل لشمال صيدا، تقييم مشكلات النقل في الوسطاني والأحياء المجاورة، تصميم طرق جديدة، وإعداد خطة متكاملة للنقل البديل.
وتتضمّن هذه الخطة مشروعًا لتنظيم المشي واستخدام الدراجات الهوائية عبر مسارات مخصّصة لا تتعدّى عليها السيارات، خلافًا لما هو سائد في معظم أرصفة صيدا، إضافة إلى وضع خطة للنقل العام والمشترك بما يعزز التنقل الآمن والمستدام داخل المدينة.
وكيف تنوي البلدية حماية المعالم الأثرية والثقافية والطبيعية في المنطقة وضمان دمجها ضمن المخطط الجديد؟ شددت على أنه ينبغي أن يتضمّن المخطّط مسحًا شاملًا لمعالم الإرث الثقافي والمواقع الأثرية القائمة، وبلورة رؤية واستراتيجية لحمايتها وإدراجها ضمن معالم صيدا الثقافية والأثرية، إلى جانب الحفاظ على المشهد الزراعي التاريخي المتبقي. فبينما يحظى الإرث الثقافي في البلدة القديمة باهتمام واضح، لا يزال الإرث المعماري والأثري في سائر مناطق المدينة يعاني الإهمال والتهميش.
وهل هناك آلية لإشراك السكان والمختصين في النقاش حول التخطيط المستقبلي للوسطاني قبل أي قرار؟ أكدت الحريري أنه من الضروري إشراك السكّان والمجتمع المحلي في بلورة هذه الرؤية، على أن يكون ذلك جزءًا من النقاشات التي ستجريها البلدية مع المختصّين في مختلف مراحل تطوير الدراسة، في حال قرّر المجلس البلدي لمدينة صيدا إعداد خطة شاملة لمنطقة الوسطاني.

