كتب مايز عبيد في “نداء الوطن”:
سُجّل فجر يوم أمس الأحد انهيار جزئيّ في أحد المباني القديمة في شارع الراهبات، بالقرب من السراي العتيق في مدينة طرابلس، من دون تسجيل أيّ إصابات في الأرواح.
حادثة مرّت من دون ضحايا، لكنها تندرج في مسلسل يتكرّر باستمرار من دون نهاية واضحة، وأعادت فتح واحد من أكثر الملفات إلحاحًا في المدينة: الأبنية المتصدّعة والآيلة للسقوط، التي تتقدّم بصمت منذ سنوات من دون أيّ معالجة جدّية.
وقبل نحو أسبوع، شهدت منطقة ضهر المغر انهيارًا جزئيًا لمبنى آخر، في مشهد يؤكّد أن ما يجري ليس طارئًا ولا معزولًا، بل سلسلة حوادث تنذر بخطر متصاعد يفرض نفسه على الواقع اليوميّ للمدينة.
انهياران خلال أيام قليلة يكفيان للتأكيد أن المسألة لم تعد تحتمل التأجيل، وأن الحبل على الجرّار في مدينة مكتظة بالسكان وبأبنية تجاوزت عمرها الافتراضي منذ زمن.
1000 مبنى مهدّد
طرابلس، بما تختزنه من إرث عمرانيّ قديم، تضمّ عددًا متزايدًا من الأبنية المتصدّعة أو الآيلة للسقوط، حيث تشير تقديرات حديثة إلى أن المدينة تضمّ بين 800 و 1000 مبنى مهدّد بالانهيار، مع توقعات بأن يكون العدد أكبر من ذلك بكثير، عند احتساب جميع الأبنية القديمة والهشة في الأحياء الشعبية. هذه الأبنية تعاني من تصدّعات واضحة، وتآكل في الهياكل الخرسانية، وتسرّبات رطوبة تضرب الأساسات. وفي الأحياء الشعبية والأسواق الضيّقة، لا يقتصر الخطر على القاطنين فقط، بل يمتدّ إلى المارّة وأصحاب المحال، حيث قد يتحوّل أيّ انهيار مفاجئ إلى مأساة خلال ثوانٍ.
خوفٌ دائم
سكان هذه الأبنية يعيشون تحت ضغط يوميّ، بين خوف دائم من انهيار غير متوقع، وعجز عن تأمين بدائل سكنية في ظلّ الانهيار الاقتصادي وارتفاع كلفة الإيجارات. ومع كلّ حادثة، تتكرّر التحذيرات، من دون أن تُترجم إلى خطوات عمليّة مستدامة تضع حدًّا لهذا الخطر المتراكم.
حتى اليوم، لم تتمكّن بلدية طرابلس، واتحاد البلديات، من إعداد خطة حقيقية وشاملة لمعالجة هذا الملف، سواء لجهة إجراء كشف هندسي شامل، أو وضع آلية واضحة للتدعيم والصيانة، أو تأمين حلول بديلة للمتضرّرين.
لا معالجات جذريّة
في المقابل، لا تظهر أي خطة وطنية لدى الدولة اللبنانية لمعالجة مشكلة الأبنية المتصدّعة، لا في طرابلس ولا في سائر المناطق، ما يترك البلديات والمواطنين في مواجهة خطر داهم بإمكانات محدودة ومعالجات موضعية. إضافة إلى ذلك، تعتبر نسبة من هذه الأبنية تراثية قديمة، ما يضاعف مسؤولية الدولة ووزارة الثقافة وسائر الجهات المعنية في إيجاد حلول تحفظ السلامة العامة وتحمي الطابع التاريخي للمدينة في الوقت نفسه.
ما حصل في شارع الراهبات، وما سبقه في ضهر المغر، لا يجب أن يُدرج في خانة الأخبار العابرة. فطرابلس لا تحتاج إلى مزيد من الحظ لتفادي سقوط الضحايا، بل إلى قرار واضح يضع السلامة العامة فوق كلّ اعتبار، قبل أن يتحوّل هذا الخطر الصامت إلى فاجعة مفتوحة على كلّ الاحتمالات.

