كتب صلاح سلام في “اللواء”:
كلمة الرئيس جوزاف عون أمام السلك الديبلوماسي أمس، لم تكن مجرد موقف بروتوكولي أو إعلان نوايا، بل شكلت محطة سياسية مفصلية أعادت تثبيت مرجعية الدولة في مقاربة أحد أخطر الملفات اللبنانية، وهو ملف السلاح خارج السلطة الشرعية. فالتأكيد الصريح على تصميم الدولة بسط سيادتها بقواها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ قرار حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، حمل دلالات داخلية وخارجية تتجاوز السياق الآني، لتلامس جوهر وجود الدولة نفسها.
إشارة الرئيس عون إلى نجاح الجيش اللبناني في إنهاء وجود الجماعات المسلحة جنوب الليطاني جاءت لتدعم هذا الموقف بخلاصة عملية، مفادها أن الدولة قادرة، عندما تتوافر الإرادة السياسية والغطاء الوطني، على فرض سلطتها الأمنية من دون الانجرار إلى الفوضى أو المواجهة المفتوحة. وهذا النجاح لا يُقرأ فقط في بُعده الميداني، بل في رمزيته السياسية، إذ يعيد الاعتبار لدور المؤسسة العسكرية كحامية للسيادة، لا طرفاً في توازنات السلاح.
في المقابل، يبرز التباين العميق مع موقف حزب الله الرافض التخلي عن سلاحه، انطلاقاً من اعتبارات يعتبرها مرتبطة بالصراع الإقليمي. هذا التباين يعكس صراعاً بين منطق الدولة ومنطق الدور، ويضع البلاد أمام معادلة دقيقة: إما تثبيت حصرية السلاح كقاعدة نهائية غير قابلة للتأجيل المفتوح، أو استمرار الازدواجية التي أرهقت الدولة، وأفقدتها ثقة محيطها العربي والمجتمع الدولي.
في هذا السياق، يبقى الاقتراح المصري القاضي بـ”احتواء السلاح” لفترة محددة كخيار انتقالي يهدف إلى تجنيب البلاد صداماً داخلياً، ومنح الدولة هامشاً زمنياً لتكريس سلطتها الأمنية. غير أن قيمة هذا الطرح بالقدرة على تحويله إلى مسار واضح السقف والمدة، يؤدي حكماً إلى تنفيذ قرار حصرية السلاح، لا إلى شرعنة المؤقت وتحويله إلى واقع دائم.
كلمة الرئيس عون أمام السلك الديبلوماسي حملت أيضاً رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الدولة اللبنانية تدرك شروط الدعم والمساندة. فاستمرار الخلاف حول السلاح ينعكس تأخيراً في المساعدات العربية والدولية لإعادة الإعمار، ويقوِّض فرص النهوض الاقتصادي، في وقت بات فيه واضحاً أن لبنان لن يحصل على أي دعم مالي في ظل غياب القرار السيادي الواحد.
من هنا، تكتسب الكلمة الرئاسية أهميتها الاستثنائية، باعتبارها إعلان التزام رسمي لا لبس فيه بمسار استعادة الدولة لدورها الكامل. ويبقى التحدي في ترجمة هذا الالتزام إلى خطوات سياسية وأمنية متدرجة، لكن حاسمة، تضع لبنان على سكة الإنقاذ والاستقرار الفعلي، وتؤدي إلى إخراجه من دوامة المساجلات والخلافات العقيمة، والتي لا تمتُّ إلى جوهر التعددية وأصول النظام الديموقراطي بصلة، لا من قريب ولا من بعيد!