IMLebanon

ماهر شعيتو يُطلق قطار الإصلاح القضائي

كتب رامي نعيم في “نداء الوطن”:

قد يصلح المثل الشائع “الطيور على أشكالها تقع”، في عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. الوزراء يشرّفون الحكومة ولو كان أبرزهم وزير الخارجية جو رجّي. لكن وزراء كثرًا يشكّلون علامة فارقة ومن بينهم وزير المالية ياسين جابر. المدراء العامّون كذلك. وليس مستغربًا إذا اخترنا في سبيل تدعيم رأينا المدير العام لوزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير.

الأمر نفسه بالنسبة إلى القضاة، وإذا كان هناك من يثني على التشكيلات القضائية بشكل عام، إلا أن المدعي العام المالي ماهر شعيتو يستحق الإشادة. قد يقول البعض إن ما يقوم به القاضي من محاربة للفساد وتوقيف الفاعلين هو أقل واجباته ومعهم الحق في ذلك، ولكن في لبنان ليس أمرًا عاديًا أن يأتيَ قاضٍ بتوصية سياسية من حزب معيّن ويوقف أحد أبرز المنتسبين إلى هذا الحزب، ومن دون أي اتصال برئيس الحزب أو بأي مسؤول آخر. هذا إذا كان رئيس الحزب يملك نائبًا أو وزيرًا أو حتى رئيس حزبٍ صوريّ، فكيف الحال إذا كان رئيس هذا الحزب هو نفسه رئيس حركة “أمل” نبيه بري ورئيس مجلس النواب ورئيس اللعبة السياسية لأكثر من ثلاثين سنة؟

بعد شيوع خبر توقيف القاضي شعيتو رئيس المصلحة المالية الإقليمية في محافظة النبطية أيمن رضا ورئيس دائرة التدقيق حسن وهبة والمراقب الرئيسي عبدالله عبدالله إثر ثبوت تقاضيهم رشاوى لتمرير معاملات المواطنين وذلك بعد التحقيق معهم في مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة في المديرية العامة لأمن الدولة، اعتقد كثيرون وأنا منهم أن في الأمر التباسًا.

فالموقوف رضا هو مسؤول كبير في حركة “أمل” وهو على علاقة وتنسيق مباشر مع وزراء المالية السابقين، كما أنه مفتاح انتخابيّ هام في منطقته. أما وهبة، فهو بالإضافة إلى كونه مسؤولًا في “الحركة” وأحد أقرب المقرّبين إلى دائرة القرار في عين التينة ينقل الموظفين متى وإلى أين أراد، هو أيضًا موظف فئة رابعة وقد تم تكليفه خلافًا للقانون ومن قبل وزراء المالية المتعاقبين بمهام الفئة الثالثة، كما كلّف وخلافًا للقانون أيضًا بأن يكون رئيس دائرة.

والموقوفان، أي رضا ووهبة، هما ضيفان ثابتان على محطتي “المنار” والـ NBN ومن أبرز المدافعين عن حقوق الموظفين، لكن شعيتو أوقف المشتبه بهما ولم يبالِ. “نداء الوطن” تواصلت مع مصادر عين التينة فكان الجواب واضحًا: الرئيس برّي لا يحمي أحدًا والقضاء سيأخذ مجراه، ومن يحتمي بعين التينة ليخالف القانون ستتم محاسبته”.

في السياق علمت “نداء الوطن” من مصادر بعبدا، أن برّي ينسّق مع الرئيس جوزاف عون في ملف محاربة الفساد، وهو طلب من عون عدم الرجوع إليه في أي ملف يتعلق بالفساد. ورأت مصادر بعبدا أن قطار الدولة انطلق، وأن الجسم القضائي في لبنان نزيه وقادر على وقف الفساد، لكنه كان يعاني سابقًا من تدخل السياسيين. أما اليوم، فلم يعد مسموحًا لأي سياسيّ بالتدخل في أي ملف. وقد أبلغ الرئيس عون القضاة بالتواصل معه مباشرة في حال تعرضوا لأي تدخلات ومن أي جهة أتت.

خطوة شعيتو ليست خطوة عادية. وأن يقوم بها قبل الانتخابات النيابية المرتقبة في الأشهر المقبلة ليس أمرًا عاديًا. وما قام به شعيتو، شكّل صدمة في مؤسسات الدولة أولًا، وفتح الباب ثانيًا أمام قضاة آخرين لاتخاذ خطوات مماثلة وعدم ربط انتمائهم السياسي والديني بعملهم الوطني، وقد اتصل عدد من المواطنين بـ “نداء الوطن” ليبلغوا عن تأثير خطوة شعيتو في الإدارات العامة. وتخوّف البعض من توسيع رقعة التوقيفات، وارتاح البعض الآخر إلى حسن سير العمل وعدم ابتزاز المواطنين.

“نداء الوطن” بدورها، تناشد القضاء العمل على محاربة الفساد وتوقيف رؤوسه وتطهير الإدارات العامة من سماسرةٍ ضربوا هيبة الدولة وكلفوا المواطنين أضعاف الرسوم المطلوبة، وتهنئ القاضي شعيتو على جرأته معتبرة أن ما قام به خطوة في رحلة الألف ميل.