Site icon IMLebanon

غارات إسرائيل شمال الليطاني ترفع منسوب الخطر

كتب داود رمال في “الأنباء الكويتية”:

 

شكل التصعيد الإسرائيلي شمال نهر الليطاني، في سياقاته الخطيرة جدا، حلقة متقدمة في سياسة ضغط ممنهجة تستهدف البيئة المدنية قبل الميدان العسكري، حلقة تعيد رسم معادلة الاشتباك على نحو تدريجي وبطابع استفزازي مقصود.

فاستهداف القرى المأهولة لا يمكن قراءته فقط من زاوية الرسائل الأمنية، بل بوصفه محاولة لتكريس واقع جديد يخلط بين الردع العسكري والإنهاك الاجتماعي، ويضع الدولة اللبنانية أمام اختبار دائم لقدرتها على الإمساك بالاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وقال مصدر سياسي لـ «الأنباء»: «يكشف هذا التصعيد في جوهره استخفافا واضحا بأي التزامات ناتجة عن تفاهمات وقف الأعمال العدائية، ويعكس قناعة إسرائيلية راسخة بأن هامش الحركة العسكرية لا يزال واسعا، طالما أن الكلفة البشرية والسياسية والديبلوماسية تبقى معدومة. فالغارات شمال الليطاني تحمل دلالات متعددة، أبرزها توسيع رقعة النار جغرافيا بما يتخطى الخطوط التي سادت في مراحل سابقة من جهة، ونقل الضغط إلى عمق الحياة اليومية للسكان، بما يراكم حالة قلق وعدم استقرار تتجاوز البعد العسكري المباشر من جهة أخرى».

وأضاف المصدر «في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية محاصرة بين التزامها المعلن بضبط الوضع الميداني ومنع توسع المواجهة، وبين عجزها البنيوي عن فرض وقائع ردعية مقابلة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فالاكتفاء بمواقف الإدانة، مهما بلغت حدتها، لم يعد يوازي حجم التحول في السلوك الإسرائيلي، ولا يوفر مظلة حماية فعلية للمدنيين الذين يدفعون ثمن هذا التصعيد. هنا، تتقدم معادلة واضحة مفادها أن الفجوة بين الخطاب والقدرة العملية تتسع، وأن الرهان على ردود الفعل الدولية وحدها لم يعد كافيا لوقف الانتهاكات المتكررة».

وأوضح المصدر انه «على المستوى الإقليمي، لا ينفصل ما يجري شمال الليطاني عن المشهد الأوسع للصراع المفتوح على أكثر من جبهة. فإسرائيل تحاول إدارة التصعيد ضمن سقوف مدروسة، تتيح لها توجيه ضربات موجعة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات أكبر، ومن تراجع أولوية الملف اللبناني على سلم الاهتمامات الدولية. في هذا السياق، يتحول الجنوب اللبناني، وما فوق الليطاني، إلى ساحة رسائل متبادلة، تختبر فيها خطوط الردع وحدود الصبر، من دون وجود ضمانات حقيقية تمنع الانفجار الكبير».

وحذر المصدر من أن «أخطر ما في هذا المسار لا يكمن فقط في الغارات بحد ذاتها، بل في ما تفتحه من احتمالات. فاستمرار استهداف المدنيين يراكم عناصر تفجير داخلي، ويقوض أي إمكانية لتحييد لبنان عن حرائق المنطقة. كما أنه يعمق الشعور بأن السيادة اللبنانية تستباح على نحو متواصل، من دون أن يقابل ذلك تحرك دولي رادع أو آليات مساءلة جدية، ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على المزيد من الانتهاكات».

وأكد المصدر على «تعزيز الوحدة الوطنية كعامل حاسم، وكشرط أساسي لتحصين الداخل في مواجهة العدوانية الإسرائيلية، لان التشرذم الداخلي يوفر ثغرات تستثمر خارجيا، فيما يشكل الحد الأدنى من التماسك الوطني ركيزة لأي مقاربة دفاعية أو سياسية فاعلة. كذلك، يصبح لزاما على الدولة اللبنانية الانتقال من موقع رد الفعل إلى محاولة بناء مسار ضاغط متعدد المستويات، يجمع بين الديبلوماسية النشطة، وتفعيل العلاقات مع الجهات الدولية المعنية، وربط الاستقرار الحدودي بمسؤوليات واضحة لا تقبل التأجيل أو التسويف».

واعتبر المصدر ان «التصعيد شمال الليطاني مؤشر إلى مرحلة أكثر خطورة في الصراع، حيث تختبر إسرائيل حدود ما يمكن فرضه بالقوة، فيما يختبر لبنان في قدرته على حماية شعبه وأرضه، وعلى تحويل الإجماع الداخلي إلى عنصر قوة، الا ان خطر الانزلاق يبقى قائما، ما لم تكسر حلقة الاعتداءات المتكررة بإرادة سياسية جامعة، وبضغط دولي فعلي يعيد الاعتبار لمعادلة السيادة والاستقرار، كوقائع ملزمة على الأرض».