كتب انطوان الاسمر في “اللواء”:
أُنشئت لجنة «الميكانيزم»، في الجوهر، لتكون على شاكلة صيغة إدارة دولية للأزمة في الجنوب، قائمة على التعددية والتوازن بين القوى المؤثرة، وليس مجرّد إطار تقني لضبط الخروق أو تبادل التقارير الميدانية. غير أن هذا الدور بدأ يتآكل تدريجيًا، إلى أن وصل عمليًا إلى مرحلة الشلل، بفعل التباينات الأميركية – الفرنسية، وكنتيجة لخيار لبناني غير معلن بالانكفاء عن مسار الحوار المباشر الذي تريده واشنطن وتسعى إليه. أدى ذلك إلى تسليم لبناني ضمني وغير مقصود أو مُراد، بتهميش الآلية بدل تحصينها.
في فلسفة إنشائها، قامت «الميكانيزم» على فكرة أساسية: منع انزلاق الجنوب إلى منطق الاشتباك المفتوح عبر نقل التوتر من الميدان إلى طاولة احتواء جماعي. تمسك الولايات المتحدة بخيط التأثير على إسرائيل، فيما تؤمِّن فرنسا التوازن السياسي والديبلوماسي، وتُضفي الأمم المتحدة الشرعية، ويستفيد لبنان من مظلّة متعددة تمنحه هامش حركة أوسع مما يتيحه أي مسار ثنائي. هذا الترتيب كان صمَّام الأمان الحقيقي الذي حال دون تحوّل الخروق المتكررة إلى مواجهات واسعة.
لكن المقاربة تغيّرت مع مرور الوقت، فبدل الاستثمار في تثبيت «الميكانيزم» وتطويرها كمنصة سياسية – أمنية، بدأ يظهر ميل أميركي – إسرائيلي إلى التعامل معها كأداة ظرفية، قابلة للتعليق أو الاستبدال بالحوار المباشر مع لبنان. هذا الميل تُرجم بتراجع الدور المدني الفرنسي، في موازاة تكيُّف لبناني مع فكرة أن القناة الأميركية وحدها كافية لإدارة الملف الجنوبي.
أغفل هذا التحوُّل حقيقة بنيوية. فالحوار المباشر، في الحال اللبنانية، لا يجري بين أطراف متكافئة. فلبنان المثقل بأزماته الاقتصادية والسياسية، يدخل أي مسار ثنائي من موقع الضعف، فيما الولايات المتحدة تملك أدوات الضغط ومفاتيح التواصل مع إسرائيل. ومع غياب الشريك الفرنسي، خسر لبنان عنصر التوازن الذي كان يسمح له بتحويل الخروق إلى ملف سياسي–قانوني، لا مجرد وقائع أمنية تُدار بمنطق الاحتواء الموقت.
هكذا، لم تُجهض «الميكانيزم» بقرار فجائي، بل جرى تفريغها تدريجيًا من مضمونها. باتت الاجتماعات أقل انتظامًا، وتراجع النقاش السياسي لمصلحة مقاربة تقنية ضيقة، وتحوّلت الآلية من منصة تفاوضية إلى غرفة مراقبة محدودة الصلاحيات. في المقابل، توسّع الهامش الإسرائيلي للتعامل مع الجنوب بمنطق الأمر الواقع، مستفيدًا من غياب مظلّة دولية متماسكة تضبط السلوك وتفرض كلفة سياسية على الخروق.
الأخطر أن تعطيل «الميكانيزم» لم يؤدِّ إلى فراغ فحسب، بل أعاد إنتاج معادلة خطرة: كلما ضعفت القنوات المتعددة، عاد منطق الردع المباشر ليملأ المساحة. أصبحت الدولة اللبنانية، المحرومة من غطاء سياسي دولي، أقل قدرة على ضبط الإيقاع جنوبًا، فيما تراجع جدوى الرهان على الوساطات. في هذا المناخ، تزداد احتمالات أن يعود حزب لله إلى حساباته الخاصة، خارج أي إطار احتوائي جامع، مما يرفع منسوب المخاطر حتى في ظل غياب قرار بالحرب.
من هنا، لا يمكن فصل اهتزاز الاستقرار عن تراجع دور الميكانيزم. لا تتعلّق المسألة فقط باحتمال اندلاع مواجهة شاملة، بل بغياب آلية قادرة على منع التراكم البطيء للتوتر. بذلك، صار أي خرق غير معالج أو حادث محدود، عرضة لكي يتحوّل سريعًا إلى أزمة مفتوحة، لأن قنوات الاحتواء إما ضعفت وإما تعطّلت.
يبدو الخلاف الأميركي–الفرنسي عاملًا مكمِّلًا لا سببًا وحيدًا. صحيح أن واشنطن دفعت باتجاه اختزال الآلية وتعزيز قيادتها الأحادية، لكن هذا التوجه ما كان ليترسّخ لولا القبول اللبناني الضمني بالانتقال من التعددية إلى الثنائية. وبدل أن يستفيد لبنان من تناقضات الكبار لتعزيز موقعه، وجد نفسه مكشوفًا أمام ثقل طرف واحد، يحدد الإيقاع ويضبط السقف.
النتيجة أن الجنوب بات بلا صمام أمان فعلي. الاستقرار القائم ليس نتاج إدارة منظّمة، بل توازن هش قابل للاهتزاز عند أول اختبار جدّي. وما لم يُعاد الاعتبار لـ «الميكانيزم» كإطار دولي متكامل، يعيد إدخال فرنسا وأوروبا إلى قلب المعادلة، يبقى أي رهان على الحوار المباشر ناقصًا، ومفتوحًا على مخاطر تتجاوز قدرة لبنان على التحكّم بها.
بذلك لم يكن تطيير «الميكانيزم» خطأً تقنيًا ولا نتيجة صراع نفوذ خارجي فحسب، بل ثمرة خيار سياسي بالانكفاء عن التعددية الدولية. وهذا الخيار، بدل أن يوفّر حماية أسرع، زاد هشاشة الاستقرار، وترك الجنوب معلّقًا بين هدوء موقت وانفجار محتمل، في غياب مظلّة قادرة على الضبط والاحتواء.

