IMLebanon

برّي بين الحذر والتموضع: تحوّل بلا انفصال

كتبت جوسلين البستاني في نداء الوطن:

في أعقاب ردود الفعل على خطاب نعيم قاسم، اعتُبر موقف نبيه برّي أكثر تصالحًا ودفاعًا عن الرئاسة. بل وُصف على أنه عمل مسؤول في وقت حسّاس، يسعى من خلاله إلى التعامل مع بيئة سياسية مُعقدة بهدف تجنب تصعيد التوترات. قد يُنظر إلى هذا التحوّل كخطوة استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على استقرار لبنان وسط الضغوط الإقليمية المتزايدة، ما يُقرب رئيس المجلس من رئيس الجمهورية بشكل ملحوظ.

لكن في الواقع، الأمر أبعد ما يكون عن ذلك؛ إنه إعادة تموضع تكتيكية من أكثر الشخصيات السياسية براعة في لبنان. لم يكن نبيه برّي يومًا سياسيًا تابعًا لمُعسكر مُعيّن بالمعنى الأيديولوجي. فهو “لاعب موضعي” (positional actor)، وقد ظلّ هدفه على مدار عقود هو البقاء وسيطًا لا غنى عنه، مع الحفاظ على سيطرته المُستمرة على حقّ النقض، وحراسة النظام السياسي الذي نشأ بعد اتفاق الطائف في ظلّ الاحتلال السوري. ولطالما كانت الحجج الدستورية والخطاب المؤسسي بالنسبة إليه أدوات لا التزامات. تحالفاته هي تحالفات مفيدة، وليست معنوية أو استراتيجية بالمعنى الواسع.

لكن لِفهم موقفه الحالي، يجب البدء من هذه الثابتة: نبيه برّي ليس وكيلاً لِـ “حزب الله”، بل يستخدمه عندما يكون ذلك مُجديًا، ويبتعد عنه عندما يُصبح مُكلفًا. بمعنى آخر، إنه “مدير نظام”. لسنوات، استفاد رئيس المجلس من قوّة “حزب الله”، التي كانت تُعتبر حينها من أهمّ الأصول. فقد جعلت هيمنته العسكرية وزخمه الإقليمي التحالف معه استراتيجية مُنخفضة التكلفة وعالية العائد. ساعد ذلك في الحفاظ على النظام القائم، وتجميد أي تحدٍ جدّي لتوازن القوى، والأهمّ ضمان مركزية نبيه برّي في هذا النظام.

حاليًا، تغيّرت تلك البيئة الاستراتيجية، فأصبح “حزب الله” اليوم أكثر تقييدًا، وأكثر تعرضًا للخطر، وأكثر تورطًا في ديناميكيات التصعيد الإقليمي التي تنطوي على مخاطر كارثية على لبنان. وقد حوّلته مواجهته مع إسرائيل وتبعيته لِخطط إيران الطارئة الأوسع نطاقًا إلى مُفجّر مُحتمل لما تبقى من الدولة اللبنانية.

بالتالي، بالنسبة لشخصية سياسية مثل نبيه برّي، تُعدّ هذه مشكلة تتعلّق بـ “إدارة المخاطر”. فعندما يبدأ سلوك حليف في تهديد النظام نفسه، ودور رئيس المجلس ضِمنه، يُصبح من الحكمة التحوّط. لكنه، حتى الآن، لم ينفصل ولم ينشق.

في هذا السياق، ليس “الدفاع عن الرئاسة” والتظاهر بالدور الحامي للمؤسسات تحوّلاً؛ بل هو “إعادة تموضع” من أجل “إدارة المخاطر”. بعبارة أخرى، هذا ليس تحولًا في القِيَم، بل تحوّل في “حسابات التكلفة والعائد”. يُمكن فهم حماية المؤسسات المفاجئة التي أبداها رئيس المجلس على أنها إعادة تسمية. فالرسالة موجّهة إلى ثلاثة اتجاهات في آن واحد: الجمهور اللبناني بالابتعاد عن منطق التصعيد الذي يخشاه معظم البلاد، الجهات الخارجية التي  تُقدم نبيه برّي شريكًا مُحتملًا في تحقيق الاستقرار، والنظام نفسه لتؤكد من جديد دور بري  المُفضل كمدير للتوازن.

أما لماذا لا يُعتبر موقف نبيه برّي “المدافع عن المؤسسات” موثوقًا؟ فالسبب يعود إلى سجلّه السياسي الذي لا يعكس ذلك، فبعدما استخدم المؤسسات بشكل منهجي كأدوات قسريّة، أغلق البرلمان وشلّ حركته مرارًا وتكرارًا عندما لم تكن النتائج ترضيه. ولعب دورًا مركزيًا في تأخير الانتخابات الرئاسية حتى أصبح ميزان القوى مناسبًا. وتعامل مع الدستور كأداة، وليس كقيد. ومؤخرًا، وخلال مناقشة قانون الانتخابات النيابية، أظهر بري مرة أخرى أن القواعد الإجرائية قابلة للتفاوض عندما تُهدّد مصالحه.

إستنادًا إلى ما سبق، تُقدّم “الانتهازية الاستراتيجية” الإطار المناسب لِفهم نمط “المؤسساتية الظرفية” الذي يُميّز حاليًا سياسة نبيه برّي. فهو لا يدافع عن المؤسسات، بل عن السيطرة عليها، وستستمرّ هذه السياسة طالما أن البديل أصبح أكثر خطورة في الوضع الراهن. وهذا لا يعني أن رئيس المجلس قد انفصل عن “حزب الله”، فما يحاول القيام به هو شيء أكثر دقة وخصوصية: إنه تحوّل دون انسحاب. ويريد الاحتفاظ بهذا التحالف وبـ “حزب الله” كدرع واقٍ، دون أن يُنظر إليه على أنه أسير لدوافعه الاستراتيجية الأكثر تهوّرًا وخطورة، والتي قد تجرّه إلى الهاوية. بعبارة أخرى، يعمل بري على تنويع محفظته السياسية.

وهناك أيضًا منطق منهجي أعمق يعمل في الخفاء. المسار الحالي لِـ “حزب الله” لا يُهدّد إسرائيل فحسب، بل يُهدّد النظام اللبناني نفسه. إن حربًا إقليمية كبرى أو مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي اللبنانية لن تترك البنية الحسّاسة لـ “الفيتو والتوازنات والشللّ المُدبّر” التي حافظت على شخصيات مثل نبيه برّي لِعقود سليمة. بل ستؤدي إلى فوضى، والفوضى هي عدو مديري النظام.

بناء عليه، وبالنسبة لرئيس المجلس، يعني ذلك أن تحالف “حزب الله” لم يعد “أصلًا خالصًا”( Pure asset )، بل أصبح عبئًا يُهدّد استقرار النظام ودوره كوسيط. لذلك، بدأ يتخذ موقفًا حذرًا من منطلق عقلاني.

من هذا المنظور، فإن سلوك نبيه برّي منطقي تمامًا. فهو لا يدافع عن الرئاسة انطلاقًا من قناعة دستورية، بل يدافع عن توازن النظام، لأن هذا التوازن هو شرط بقائه السياسي. ما يُباع على أنه مسؤولية، هو في الواقع حفاظ على الذات، وما يُقدّم على أنه اهتمام مؤسسي، هو في الواقع خوف من انهيار النظام. وما يبدو أنه ابتعاد عن “حزب الله”، هو في الحقيقة محاولة للتأمين ضدّ عواقب خيارات هذا الأخير دون دفع ثمن الانفصال الحقيقي.

على الرغم من أن موف رئيس المجلس الحالي يندرج تحت خانة “المؤسساتية الظرفية” كما ذكرنا سابقًا، وليس “المؤسساتية المبدئية”، فإنه يُبقي “حزب الله” كدرع إذا لزم الأمر، بينما يحاول تجنب الانجرار إلى أسوأ قراراته.

February 3, 2026 06:30 AM