Site icon IMLebanon

بعبدا والموازنة بين الضغوط العاصفة

كتب سامر زريق في نداء الوطن:

يغلب توصيف “لحظة حاسمة” مع اقترابنا من موعد جلسة مجلس الوزراء لإقرار خطة الانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية “سحب السلاح” في شمال الليطاني وما بعده. غير أنها ليست اللحظة الحاسمة الوحيدة، ولن تكون، في عهد الرئيس جوزاف عون الذي حفل وسيحفل بالكثير منها.

نستذكر جلسات 5 و 7 آب، و5 أيلول، وقرار تعيين السفير سيمون كرم كمفاوض سياسي – دبلوماسي في “الميكانيزم”، والجلسة المقبلة في شباط، وهناك المزيد.

من خلال تتبّع سياق هذه المحطات، وما بينها، يمكن ملاحظة أن حملات “حزب الله” على بعبدا لم تتوقف، وإن اختلفت درجات عصفها. وبالتالي فإن حملته الأخيرة المستمرة منذ مطلع العام لا تشذ عن هذا السياق. في موازاة ضغوطات خارجية شديدة ومتواصلة، بلغت حد إلغاء زيارة قائد الجيش إلى أميركا. ومن ثم إعادة جدولتها بدعم سعودي يندرج ضمن مسار ترتبط موثوقيته بمدى الجدية في تطبيق خطة “حصرية السلاح”، وسط محاذير تشير إلى إمكانية الإطاحة به وبمؤتمر دعم الجيش.

إزاء هذه الضغوطات، يتبع رئيس الجمهورية نهجًا مركبًا يرتكز على الموازنة بين الضغوطات، والتصعيد المحسوب للدفع بمسار الدولة قدمًا بخطوات تبدو وئيدة، بل وغير مقنعة لشريحة ليست بسيطة من الرأي العام المتحفز والمتعطش لقرارات أكثر جرأة وحدة.

بيد أن الوضع شديد التعقيد، ورئيس الجمهورية يسعى للعبور بالبلاد بسلام وسط معادلات محفوفة بالمتفجرات. فهو يعلم أن قرار “الحزب” ومصيره مرتبطان ارتباطًا عضويًا بنظام الملالي، بما يخرج المسألة عن أي إطار محلي صرف، ويجعل لبنان جزءًا من مشهد إقليمي متوتر، حيث تمسي أي خطوة غير محسوبة بدقة شديدة بمثابة فتيل انفجار للاستقرار الداخلي. كما يعلم منذ البداية بأن الضغوطات الأميركية الهائلة ترمي نحو مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، تمهد لإبرام اتفاقية بين الجانبين.

بالنظر إلى سنة ونيّف من عهده، وغداة كل الملابسات التي أحاطت بجلسات الموازنة في البرلمان، وأضعفت موقف الحكومة في المعادلة الداخلية، يمكن القول إن رئيس الجمهورية استطاع عبر سياسة الموازنة بين الضغوطات، الممزوجة باستراتيجية “القضم” السياسي المستقاة من العلوم العسكرية، أن يعبر بالبلاد في المنعرجات المفصلية بأقل كلفة ممكنة.

جنوب الليطاني بات بعهدة الدولة بعد عقود من شراكات عسكرية غير متكافئة. اللجان الأمنية وكارتيلات المخدرات والسلاح، وسائر المحميات صارت في المهداف. عنصر المبادرة انتقل الى دفة الدولة، وإن بشكل غير تامٍ بعد. بالتوازي مع تثبيت فكرة وحدة القرار في يد الدولة، وانتهاء دور سلاح “حزب الله”، في الوعي الجمعي الشعبي، والنقاش العام

إلى جانب التدرج في اخطوات التفاوضية والموقف اللبناني نحو تفاوض سياسي مباشر برعاية أميركية، يحد من سياساتها في الضغط العالي، ويقرّب لبنان خطوات منها، على غرار سوريا، وبغطاء من رئيس البرلمان نبيه بري، الذي يحرص الرئيس جوزاف عون على التنسيق معه لإقفال الذرائع المذهبية “الكربلائية” التي يحاول “الحزب” عبر آلته الإعلامية تسعيرها في مواجهته.

يدرك رئيس الجمهورية أن إعلان المواجهة مع “الحزب”، أو تصنيفه متمردًا على شرعية الدولة ستكون أثمانه ثقيلة، وإن كانت في صالح مشروع الدولة عمومًا. كما يدرك أن “الحزب” رغم خسائره القاسية ونزيفه المستمر لا يزال يناور ضمن هوامش سياسية محدودة، حيث صمت عن اتفاقية تسليم المحكومين السوريين لدمشق، رغم عدائه الشديد لها وحملاته المصبوبة عليها، مقابل الحصول على عناصره المعتقلين لديها.

لذا لا بد من المرونة بين سقوف متحركة شدًّا وجذبًا. وفي هذا الإطار، تشكل حادثة المواجهة في بلدة القصر بين “فوج الأهالي” والجيش رسالة واضحة من “حزب الله” حول مدى جديته في تنفيذ تهديداته الخطابية، وافتعال صراعات وتوترات تحد من قدرة الجيش على العمل الميداني.

وعليه، يحتاج الانتقال إلى شمال الليطاني، وما بعده، إلى الاستمرار بالاستراتيجية نفسها التي توائم بين الضغوط. بالإضافة إلى زيادة درجات التشبيك مع القوى الفاعلة في المنطقة، ولا سيما بعد أن أضحت أكثر قناعة وتماهيًا مع المقاربة اللبنانية، من ناحية الحفاظ على “الستاتيكو” الظاهري، والعمل على توظيف ضعف إيران وأذرعها، والضغط الأميركي الهائل عليهما، بغية دفعهما نحو تقديم المزيد من التنازلات التي تسهم في ترميم النظام الإقليمي، وإعادة ترسيم حدود النفوذ فيه، وبالتالي تسهيل عملية البدء بشمال الليطاني كأمر واقع مهما تأخر يبقى مفضلًا على ضربة إسرائيلية ساحقة جديدة.

Exit mobile version