Site icon IMLebanon

مصلحة لبنان الاستراتيجية: إدارة العلاقة مع سوريا وإسرائيل!

A Lebanese flag set by citizens flies in front the site of Tuesday's explosion that hit the seaport of Beirut, Lebanon, Sunday, Aug. 9, 2020. Lebanon's information minister resigned on Sunday as the country grapples with the aftermath of the devastating blast that ripped through the capital and raised public anger to new levels. (AP Photo/Hassan Ammar)

كتب شارل جبور في “نداء الوطن”:

لم تسقط الدولة في لبنان يومًا من داخل مؤسّساتها فقط، بل سقطت أساسًا من خارجها، وتحديدًا عبر المعبر السوري وفي ظلّ نظام الأسد البائد. هذا واقع تاريخيّ موثق لا يمكن القفز فوقه أو تجميله. فمنذ نهاية الستينات، شكّلت سوريا الأسد المدخل الأساسي لضرب الكيان اللبناني، وإضعاف دولته، وتحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

مع صعود حافظ الأسد، لم يكن لبنان مجرّد دولة حدودية، بل ورقة استراتيجية في مشروع بقاء النظام الأسدي. وباعتباره نظام أقلية يحكم أكثرية سنية، احتاج الأسد إلى أدوار إقليمية ومزايدات قومية تبرّر قبضته الأمنية. فوجد في الورقة الفلسطينيّة، ثمّ في الورقة اللبنانية، المدخل الأنسب. شجّع الفصائل الفلسطينية على الدخول إلى لبنان، وهدّد الدولة اللبنانية بإقفال الحدود إن حاولت منع هذا المسار، ثم عاد وأمسك بهذه الفصائل، مستخدمًا وجودها ذريعة للهيمنة على القرار اللبناني.

لم يكتفِ النظام الأسدي بالسيطرة العسكرية والسياسية على لبنان، بل ذهب أبعد من ذلك، فحوّله إلى ساحة بديلة عن سوريا، تُدار فيها الصراعات، وتُستنزف فيها القوى، ويُدفع ثمنها من دم اللبنانيين واستقرارهم. ومع تحالفه الاستراتيجي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فُتح معبر جديد أكثر خطورة: معبر ضرب الدولة اللبنانية من بوابة ما سُمّي بـ “المقاومة”.

برعاية سورية مباشرة، وُلد “حزب اللّه” في لبنان. وفي زمن كان فيه صدام حسين يشكّل عائقًا أمام الحركة الإيرانية، أصبح مطار دمشق الشريان الحيوي لوصول الحرس الثوري والسلاح والمال إلى لبنان. هكذا، تحوّل لبنان إلى ساحة إيرانية متقدّمة، بإذن سوري، وعلى حساب سيادته واستقلاله.

وعليه، فإن سقوط الدولة اللبنانية لم يكن صدفة، ولا نتيجة خلل داخلي فقط، بل نتاج مسار إقليمي واضح: سوريا الأسد كانت الممرّ، وإيران كانت المشروع، و “حزب اللّه” كان الأداة. هذا الثالوث حكم لبنان لعقود، وأغلق أمامه أي أفق لبناء دولة طبيعية.

اليوم، ومع سقوط نظام الأسد، وتراجع الدور الإيراني بعد حرب “طوفان الأقصى”، وانكشاف حدود ما سُمّي بـ “الردع الإلهي”، تبرز فرصة تاريخية أمام لبنان: فرصة لإعادة تعريف علاقته مع سوريا، لا من موقع التبعية، بل من موقع الندية والسيادة.

إن إدارة العلاقة مع النظام السوري الجديد، برئاسة أحمد الشرع، يجب أن تنطلق من مصلحة لبنان أولًا، تمامًا كما يرفع الشرع شعار “سوريا أولًا”. ما يجمع البلدين اليوم ليس الماضي، بل يجمعهما تقاطع استراتيجي واضح: عدو مشترك اسمه إيران، وشبكة علاقات دولية وإقليمية واحدة تمتدّ من واشنطن إلى الرياض.

من هنا، تصبح العلاقة مع سوريا، إذا أُديرت بحكمة، مدخلًا لاستعادة السيادة اللبنانية لا لضربها. فكما سقطت الدولة من المعبر السوري، يمكن أن تبدأ عملية نهوضها من خلال إقفاله بوجه أيّ مشروع إقليمي جديد.

وإلى جانب المعبر السوري، شكّل المعبر اللبناني – الإسرائيلي، على مدى عقود، الذريعة الثانية لإسقاط الدولة اللبنانية. فبحجّة مواجهة إسرائيل، جرى تدمير السيادة، وتعليق الدستور، وإنشاء دويلة مسلّحة داخل الدولة، عجزت معها المؤسسات الشرعية عن بسط سلطتها على كامل أراضيها.

منذ سقوط اتفاقية الهدنة، تحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة، لا بقرار لبناني، بل بقرار إقليمي. لم تكن المواجهة مع إسرائيل يومًا مشروع دولة، بل مشروع محاور. وكانت النتيجة واحدة: إسرائيل تضرب، ولبنان يدفع الثمن، والدولة تُمنع من ممارسة دورها الطبيعي.

اليوم، لا السلام أولوية إسرائيلية، ولا هو أولوية لبنانية. إسرائيل لا تبحث عن سلام شامل، بل عن ترتيبات أمنية. ولبنان، في وضعه الحالي، لا يملك القدرة ولا الغطاء ولا المصلحة في فتح نقاشات كبرى حول السلام. ما يريده لبنان هو الاستقرار، وما يحتاجه هو استعادة سلطته على أرضه.

من هنا، تصبح إدارة العلاقة مع إسرائيل ضرورة أمنية، لا خيارًا سياسيًا أو أيديولوجيًا. إدارة تضمن عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانهيار، أي قبل إسقاط اتفاقية الهدنة، وتمنع استخدام الأرض اللبنانية منصةً لحروب الآخرين، وتُعيد للدولة حقها الحصري في قرار الحرب والسلم.

بالتوازي، يجب أن تكون إدارة العلاقة مع سوريا الجديدة سياسية ودبلوماسية، تهدف إلى تثبيت الحدود، ومنع أي اختراق أمني، ووقف استخدام لبنان ساحةً خلفية لأي مشروع إقليمي. هكذا فقط يُقفل المعبران: معبر السلاح والفوضى من سوريا إلى لبنان، ومعبر الذرائع العسكرية من لبنان إلى إسرائيل.

إقفال هذين المعبرين فعل سيادي بامتياز، وهو الشرط الأساس لمنع إيران وأذرعها وتنظيماتها من الإمساك بالدولة اللبنانية أو تعطيلها أو جرّها إلى حروب لا طائل منها. لبنان اليوم أمام خيار استراتيجي واضح: طيّ صفحة نهج الستين عامًا الماضية، حيث كان ساحةً مستباحة وشعبه وقودًا لصراعات الآخرين، والانتقال إلى مرحلة جديدة تُدار فيها العلاقات الخارجية بعقل الدولة لا بعقل المحاور.

إن إدارة العلاقة الأمنية مع إسرائيل، والعلاقة السياسية مع سوريا، ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية للبنان سيدٍ وحرّ ومستقرّ. هي الطريق الأقصر لاستعادة الدولة، وحماية اللبنانيين، وقطع الطريق نهائيًا على كل مشروع يريد لبنان ساحة لا دولة.

Exit mobile version