كتبت ديزي حوّاط في “نداء الوطن”:
وسط تجاذبات قانون الانتخاب، ولا سيّما ما يتعلّق بانتخابات المغتربين، أصدر وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، محدّدًا يوم الثالث من أيار موعدًا لاقتراع غير المقيمين، والعاشر من أيار لاقتراع المقيمين. وفي موازاة ذلك، دعا رئيس الجمهورية جوزاف عون رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات النيابية إلى ممارسة صلاحياتهم وفق القانون، بعد أدائهم قسم اليمين. مشهد يوحي بأن العدّ العكسي للاستحقاق النيابي قد انطلق فعليًا، رغم غياب أي حسم تشريعي أو آلية تنفيذية واضحة للقانون النافذ، ولا سيّما في ما يتصل بانتخابات المغتربين.
غير أن هذا الانطلاق يترافق مع واقع ضاغط داخل هيئة الإشراف نفسها، إذ إن التعيينات داخل الهيئة حصلت مؤخرًا، ما انعكس ضغطًا في العمل، في وقت كان يُفترض فيه أن يتم تعيين الهيئة قبل موعد الانتخابات بنحو عام على الأقل. ووفق المعطيات، يجري حاليًا تنظيم العمل الداخلي داخل الهيئة عبر توزيع المهمّات، تمهيدًا للانطلاق الكامل في أداء المهام الموكلة إليها.
في هذا الإطار، وفي أول موقف له بعد تعيين هيئة الإشراف على الانتخابات، أدلى رئيس الهيئة القاضي المتقاعد عفيف الحكيم بتصريح خاص لـ “نداء الوطن”، أوضح فيه أن “هناك صعوبة حاليًا في إشراف الهيئة على الانتخابات في الخارج”، لافتًا إلى “عدم وجود أي تعاون مع هيئة دولية لمراقبة الانتخابات خارج لبنان”. وأكّد أن “الهيئة تقوم بعملها على أساس أن الانتخابات حاصلة في موعدها، وهي تطبّق القانون النافذ الذي تُجرى الانتخابات في ظله”.
إلّا أن دور الهيئة يبقى، بطبيعته القانونية، محدود الصلاحيات. فهي ليست هيئة مستقلة بالكامل للإشراف على الانتخابات، ولا تتمتع بصلاحيات واسعة تشمل تطبيق العقوبات أو امتلاك سلطة على الضابطة العدلية والقوى الأمنية، وهو أمر كان مطروحًا في مراحل سابقة وكان من شأنه أن ينفي دور وزارة الداخلية. أمّا الواقع الحالي، فيقوم على إشراف الهيئة على العملية الانتخابية ضمن سقف وزارة الداخلية، في ظل رفض القوى السياسية في لبنان رفع يدها عن الانتخابات.
وعليه، لا تملك الهيئة أية صلاحيات تشريعية بطبيعة الحال، إذ يقتصر دورها، في حال رصد أي ثغرات أو مشاكل، على رفع توصيات إلى وزير الداخلية، ليُصار لاحقًا إلى إحالتها إلى مجلس الوزراء، من دون أن يكون للهيئة أي دور مباشر في إدخال تعديلات قانونية.
وفي ما يتعلّق بانتخابات المغتربين، شدّد الحكيم على أنه “لا بدّ من صدور تعديل للقانون من قبل مجلس النواب، أو صدور مراسيم تنظيمية عن الحكومة بأكثرية الثلثين من أعضائها، بناءً على اقتراح وزير الداخلية والبلديات، وذلك عملًا بالمادة 124 من قانون الانتخابات الحالي”. وأضاف أنه “في حال تعديل القانون لناحية انتخاب المغتربين لمئة وثمانية وعشرين نائبًا، فإن ذلك يعني أنّ الانتخابات ستجري في لبنان فقط، على أن تُطبّق على اقتراع اللبنانيين غير المقيمين الأحكام العامة نفسها التي ترعى اقتراع اللبنانيين المقيمين على الأراضي اللبنانية”.
وفي حين تتمحور الإشكالية الأساسية حول ما يُعرف بـ”الدائرة 16″ المخصّصة لاقتراع المغتربين، والتي أُقرّت نظريًا في قانون الانتخاب، على أن تنتخب ستة نواب يمثّون اللبنانيين في الخارج موزّعين على القارات، غير أن هذه الدائرة لا تزال حتى الساعة بلا أي آلية تطبيقية واضحة، سواء لناحية التسجيل، أو توزيع المقاعد، أو إدارة العملية الانتخابية. وهو ما يفرض، وفق هذا الواقع، إمّا تشريع قانون يحذف الدائرة 16 بالكامل، أو إقرار آلية واضحة لتنفيذها، في ظل اعتبار السلطة التنفيذية أنها غير قادرة على تطبيق نص قانوني يفتقر إلى أدوات تنفيذية عملية.
في بلد يُفترض أن يعلو فيه الدستور والقانون على السياسة، تبدو المعادلة مقلوبة. فالمغتربون الذين سجّلوا أسماءهم على منصّة وزارة الخارجية للاقتراع في الخارج، يُفترض وفق القانون أنهم لا يحق لهم الاقتراع في الداخل. وفي حال لم تُجرَ الانتخابات في الخارج، فإن ذلك يعني عمليًا حرمانهم من حقهم بالاقتراع، ما يفتح الباب أمام الطعن بالانتخابات ويهدّد مصيرها برمّته، خصوصًا أن عدد اللبنانيين غير المقيمين المسجّلين بلغ 151,985 ناخبًا.
وفي هذا السياق، يبرز اقتراح يقوم على فتح باب الاقتراع داخل الأراضي اللبنانية، أسوة بباقي اللبنانيين، لكل من سجّل ومن لم يسجّل للاقتراع في الخارج، في حال تعذر إجراء الانتخابات خارج لبنان، تفاديًا لأي خلل قانوني قد ينسف الاستحقاق.
عدد النواب الـ 128 ثابت
ورغم هذا التعقيد، يصرّ كل من رئيس الجمهورية والحكومة على أن الانتخابات ستُجرى في موعدها، باعتبارها مدخلًا إلزاميًا لإعادة انتظام الحياة الدستورية. في المقابل، شهد مجلس النواب اقتراح قانون لإرجاء الانتخابات لمدة سنة كحدّ أقصى حتى 31 أيار 2027، قدّمه النائب أديب عبد المسيح، إلى جانب حديث متداول في الأروقة السياسية عن احتمال تمديد ولاية المجلس لمدة شهرين، أي ما عرف بـ”الإرجاء التقني” حتى تموز 2026.
هنا، يوضح الخبير الدستوري سعيد مالك، في حديث لـ “نداء الوطن”، أن مرسوم دعوة الهيئات الناخبة يُعدّ محطة أساسية في المسار الانتخابي، إذ يفتح تلقائيًا باب الترشحات، ويُقفل قبل شهرين من موعد التئام الهيئات الناخبة، أي قبل الأول من آذار، على أن يصدر تعميم عن وزارة الداخلية يُجيز تقديم طلبات الترشيح.
وحول ما إذا كان توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة يعني حتمية إجراء الانتخابات في موعدها، يؤكّد مالك أن “قطار الانتخابات انطلق”، مع الإشارة إلى احتمالَين قد يؤدّيان إلى إرجاء الاستحقاق: الأول، تشريعي، يتمثل في انعقاد مجلس النواب وتعديل قانون الانتخاب، ما يستدعي تعديل مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، والثاني، خارج السياق التشريعي، ويتمثل بظروف قاهرة خارجية قد تكون ضربة إسرائيلية تحول دون إجراء الانتخابات.
وفي ما يتعلّق بآلية إجراء الانتخابات، يوضح مالك أنه “في حال لم يُعدّل مجلس النواب قانون الانتخاب، فإن الانتخابات ستُجرى وفق 15 دائرة انتخابية لا 16، على أن يقترع المغتربون للنواب الـ 128، كما حصل في انتخابات عام 2022”.
بين إصرار سياسي على إجراء الاستحقاق في موعده، وواقع قانوني معقد، ورئيس مجلس نيابي يرفض فتح النقاش في قانون الانتخاب، وهيئة إشراف محدودة الصلاحيات، تبدو الانتخابات النيابية أقرب إلى رهينة قرار سياسي منها إلى استحقاق تُحدّده المعايير التقنية والدستورية. فقد كرّس هذا الموقف واقعًا يُقصي اقتراع المغتربين في الخارج، مع الإبقاء على انتخاب النواب الـ 128 من دون استحداث ستة مقاعد مخصّصة للاغتراب، فيما يبقى أي مسار تشريعي لتعديل القانون داخل المجلس النيابي مرهونًا بإرجاء الانتخابات، وما يستتبع ذلك من إعادة دعوة الهيئات الناخبة بمرسوم جديد يصدر عن وزير الداخلية.

