كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
تندرج زيارة الرئيس الألماني فرانك – فالتر شتاينماير إلى لبنان في 16 من الشهر الحالي، في سياق مرحلة مفصليّة يتقاطع فيها مستقبل الوجود الدولي في الجنوب مع مسار تثبيت سلطة الدولة اللبنانية وتعزيز قدرات الجيش، فضلًا عن إعادة تموضع العلاقات اللبنانية – الأوروبية ضمن معادلة أمنية وسياسية جديدة. فالزيارة التي ستتضمّن محادثات مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إضافة إلى تفقد القوّة البحرية الألمانية العاملة ضمن إطار قوات “اليونيفيل”، تعكس إدراكًا ألمانيًا متزايدًا لحساسيّة المرحلة الانتقالية التي تسبق انتهاء مهمة القوات الدولية في جنوب لبنان نهاية عام 2027، وما يفرضه ذلك من إعادة صياغة مقاربة الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية.
في هذا السياق، يشكّل الوجود البحري الألماني في جنوب لبنان أحد أبرز عناصر الاستقرار التي حرصت برلين على ترسيخها منذ عام 2006، حيث اضطلعت هذه القوة بدور محوريّ في مراقبة المياه الإقليميّة اللبنانية ومنع تهريب الأسلحة وتعزيز قدرات البحرية اللبنانية. ومع اقتراب انتهاء المهمّة الدوليّة، يبرز اهتمام لبناني واضح باستمرار هذا الدور الألماني بصيغة أو بأخرى، انطلاقًا من إدراك رسميّ بأن المرحلة المقبلة ستتطلّب ترتيبات جديدة تحول دون حدوث فراغ أمنيّ في البحر، خصوصًا في ظلّ استمرار التوترات الإقليميّة وتعقيدات الوضع الحدودي مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، يبحث لبنان مع ألمانيا وسائر الدول الصديقة في الخيارات الممكنة لاستمرار هذا الحضور، سواء عبر اتفاقيات ثنائية أو ترتيبات تعاون أمني وتقني أو أطر متعدّدة الأطراف تضمن استمرارية الدعم الدولي للجيش اللبناني، بما يحفظ الاستقرار ويمنع أيّ انزلاق نحو الفوضى.
وتأتي هذه المناقشات في ظلّ عرض لبنانيّ شامل للوضع الأمني في الجنوب، حيث استكمل الجيش اللبناني انتشاره في منطقة جنوب الليطاني، وبسط سلطته الكاملة على الأرض، وأزال جميع المظاهر المسلّحة، بما يعكس التزام الدولة بتنفيذ تعهّداتها الدولية، ولا سيّما القرار 1701. وتؤكد هذه الوقائع أن الجيش بات يمسك فعليًا بزمام الأمن في المنطقة، وأن الأراضي اللبنانية لم تشهد أيّ إطلاق نار منذ استكمال هذا الانتشار، ما يعزز موقع لبنان في مطالبة المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بالمقابل.
غير أن هذا الواقع الميداني يصطدم باستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف القرى والبلدات الجنوبية، وتمتدّ أحيانًا إلى مناطق في البقاع، إضافة إلى استمرار احتلال أراضٍ وتلال لبنانية وعدم الإفراج عن الأسرى، وهو ما يضع اتفاق وقف الأعمال العدائيّة الذي أُعلن في تشرين الثاني 2024 أمام اختبار جدّي. فلبنان يرى أن تنفيذ هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون أحاديًا، وأن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية يقوّض الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار ويهدّد بنسف المسار الدبلوماسي الذي سعت إليه الدول الكبرى منذ أكثر من عام. وفي هذا الإطار، تشكّل زيارة الرئيس الألماني فرصة لتجديد الموقف اللبناني الداعي إلى ممارسة ضغط دولي فعلي على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والالتزام الكامل بالقرار 1701، باعتبار أن نجاح هذا القرار لا يرتبط فقط بانتشار الجيش اللبناني، بل أيضًا بإنهاء الاحتلال والاعتداءات وضمان احترام السيادة اللبنانية.
وتكتسب هذه النقطة أهميّة إضافية في ضوء التوجّه اللبناني نحو تعزيز قدرات الجيش بوصفه الضامن الأساسي للاستقرار الداخلي والحدودي. فالجيش، الذي يتولّى مهام واسعة تشمل حفظ الأمن الداخلي، مكافحة التهريب والمخدّرات، حماية المؤسّسات وضبط الحدود، يحتاج إلى دعم عاجل بالعتاد والتجهيزات لضمان استمرارية هذه المهام بكفاءة عالية. ومن هنا، يعوّل لبنان على مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي المقرّر عقده في باريس في الخامس من آذار المقبل، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤدّيه ألمانيا فيه، سواء من خلال تقديم الدعم المباشر أو عبر تشجيع الدول الأوروبية الأخرى على زيادة مساهماتها، باعتبار أن استقرار لبنان يشكل جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
وفي موازاة ذلك، تندرج زيارة شتاينماير ضمن مقاربة أوسع تتعلّق بمسار تثبيت سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها، وهو قرار اتخذ على المستوى الوطني ويجري تنفيذه تدريجيًا وفق خطة متكاملة تجمع بين الإجراءات العسكرية والاتصالات السياسية، بما يضمن تحقيق هذا الهدف من دون تعريض الاستقرار الداخلي لأيّ اهتزاز. ويعكس هذا المسار محاولة لبنانية لإعادة بناء معادلة الدولة القادرة، التي تحتكر استخدام القوّة وتدير الأمن الوطني وفق المؤسّسات الشرعية، وهو ما يحظى بدعم أوروبيّ واضح، نظرًا لما يشكّله من عنصر أساسي في منع انزلاق لبنان إلى الفوضى أو التحوّل إلى ساحة صراعات إقليميّة.
وفي هذا الإطار، يبرز البعد الاستراتيجيّ للعلاقة بين لبنان وألمانيا، التي تنظر إلى استقرار لبنان بوصفه جزءًا من أمن أوروبا نفسها، سواء من زاوية مكافحة الإرهاب أو الحدّ من الهجرة غير الشرعية أو منع توسّع النزاعات الإقليميّة. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي ودوره في توازنات الشرق الأوسط، يشكّل خط تماس متقدّمًا بالنسبة للأمن الأوروبي، ما يجعل استقراره أولويّة مشتركة. ومن هنا، يأتي الاهتمام الألماني بمواصلة تعزيز التعاون مع لبنان في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية، بما يساهم في دعم مؤسّسات الدولة وتمكينها من أداء دورها الكامل.
ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب الأمني، بل يمتدّ إلى المجال الاقتصادي، حيث تسعى ألمانيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع لبنان، انطلاقًا من إدراكها أن الاستقرار الأمني لا يمكن أن يستدام من دون استقرار اقتصادي، وأن دعم الاقتصاد اللبناني يشكل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت الاستقرار الشامل. وفي هذا السياق، يمكن للزيارة أن تفتح الباب أمام توسيع التعاون في مجالات الطاقة والبنى التحتية والتدريب المهني، بما يساهم في إعادة تنشيط الاقتصاد اللبناني وتعزيز قدرته على التعافي.
تعكس زيارة الرئيس الألماني إلى بيروت إدراكًا متبادلًا بأن لبنان يقف أمام مرحلة انتقالية حسّاسة تتطلّب تثبيت الشراكات الدولية وإعادة صياغة آليات الدعم الأمنيّ والعسكري والاقتصادي. وهي تشكل في الوقت نفسه اختبارًا لمدى قدرة الدولة اللبنانية على استثمار هذا الدعم لتعزيز سيادتها وترسيخ الاستقرار، كما تمثل فرصة لألمانيا لتأكيد دورها كأحد أبرز الشركاء الأوروبيين للبنان في مرحلة ما بعد “اليونيفيل”. وبين هذين البُعدين، تتكرّس معادلة جديدة تقوم على الربط بين استقرار لبنان واستقرار المنطقة وأمن أوروبا، ما يجعل من هذه الزيارة محطة أساسية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

