Site icon IMLebanon

اقتراع المغتربين يشعل العدّ العكسي

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

دخلت الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان مرحلة مفصلية مع صدور رأي هيئة التشريع والاستشارات الذي أكد حق المغتربين في الاقتراع لكامل أعضاء مجلس النواب الـ 128، ما وضع السلطة التنفيذية أمام استحقاق قانوني وسياسي لا يحتمل التأجيل، وفتح الباب أمام مواجهة بين ضرورات احترام القانون ومخاوف الانزلاق إلى أزمة سياسية جديدة، وأعاد هذا التطور خلط الأوراق في ملف انتخابي أساسي يتداخل فيه الدستوري بالإداري، والسياسي بالميثاقي، في ظل ضغوط داخلية وخارجية لإجراء الانتخابات ضمن مواعيدها ومن دون انتقاص من حقوق الناخبين في الداخل والانتشار.

جاء تحرك وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار بطلب رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، كخطوة لا بد منها لتجاوز حالة التردد التي طبعت موقف السلطة التنفيذية، خصوصًا في ظل وجود إشكالية قانونية تتصل بتطبيق المادة المتعلقة باقتراع المغتربين. فالقانون الصادر عام 2017 نص على إنشاء دائرة انتخابية خاصة بالمغتربين، تُعرف بالدائرة 16، إلا أن هذه المادة بقيت معلّقة التطبيق لعدم صدور المراسيم التطبيقية اللازمة، ما أدى عمليًا إلى اعتماد صيغة مختلفة في انتخابات 2022 سمحت للمغتربين بالاقتراع للنواب الـ 128 في دوائرهم الأصلية داخل لبنان. هذا التناقض بين النص القانوني والواقع التنفيذي خلق منطقة رمادية قانونيًا، وجعل أي قرار حكومي عرضة للتفسير السياسي والطعن المحتمل.

ضمن هذا السياق، تبرز صيغة قانونية أولى تقضي بأن يتبنى مجلس الوزراء التقرير الذي أعدته وزارتا الداخلية والخارجية في الحكومة السابقة، والذي يتضمن تصورًا متكاملًا لإصدار المراسيم التطبيقية الخاصة بالدائرة 16. وتكمن أهمية هذه الصيغة في أنها تؤمن غطاءً قانونيًا كاملًا لتطبيق القانون كما ورد في نصه الأصلي، إلا أن هذه الخطوة تتطلب قرارًا صريحًا من مجلس الوزراء، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن، رغم أن التقرير موجود وجاهز ويمكن تفعيله بمرسوم تطبيقي. ويثير هذا التردد تساؤلات حول خلفيات عدم طرحه رسميًا، خصوصًا أن اعتماده كان من شأنه حسم الجدل القانوني من جذوره.

في المقابل، طُرحت صيغة ثانية تقوم على أن يتبنى وزير الداخلية بنفسه التقرير المذكور ويوجه الدعوة إلى الهيئات الناخبة في الخارج على أساس الدائرة 16، من دون المرور بمجلس الوزراء. إلا أن هذه المقاربة، رغم أنها توفر مخرجًا عمليًا سريعًا، تبقى أضعف من الناحية القانونية، لأنها تستند إلى قرار إداري فردي بدلاً من قرار حكومي جماعي، ما قد يفتح الباب أمام الطعن بشرعية الإجراءات أو التشكيك بسلامتها القانونية.

أمام هذا الواقع، جاء رأي هيئة التشريع والاستشارات ليشكل نقطة تحول أساسية، إذ اعتبر أن تعذر تطبيق مادة في القانون لا يمكن أن يكون سببًا لتعليق العمل به، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة دستورية أساسية مثل مجلس النواب. وخلصت الهيئة إلى أن حق المغتربين في الاقتراع يجب أن يُمارس، وأن الأصل هو تمكينهم من التصويت للنواب الـ 128، باعتبار أن تعطيل هذا الحق يشكل انتقاصًا من مبدأ استمرارية المؤسسات الدستورية. ورغم أن رأي الهيئة غير ملزم قانونًا، إلا أنه يتمتع بثقل معنوي وقانوني كبير، وتشير المعطيات إلى أن وزير الداخلية يتجه إلى اعتماده كمرتكز قانوني لدعوة المغتربين إلى الاقتراع وفق الصيغة التي اعتمدت في الانتخابات الأخيرة.

إلى جانب هذه الخيارات، تبرز صيغة ثالثة لم تحظ بالاهتمام الكافي رغم أن قوى سياسية أساسية تدعمها، وتقضي بأن يتخذ مجلس الوزراء قرارًا بإصدار مراسيم تطبيقية والدعوة إلى الانتخابات استنادًا إلى آخر صيغة انتخابية معتمدة، أي تلك التي جرت في عام 2022، حيث اقترع المغتربون للنواب الـ 128. وتستند هذه المقاربة إلى قراءة قانونية مفادها أن الغموض والالتباس في بعض مواد قانون الانتخاب لا يمكن معالجتهما عبر المراسيم التطبيقية فقط، بل يتطلبان تعديلاً تشريعيًا من مجلس النواب، وهو أمر لم يحصل رغم تقديم الحكومة مشروع قانون معجل بهذا الخصوص. وبالتالي، يصبح من حق السلطة التنفيذية، حفاظًا على استمرارية العملية الديمقراطية، اتخاذ القرار التنفيذي اللازم لتنظيم الانتخابات وفق الصيغة الأخيرة المعتمدة.

تعزز هذه المقاربة سابقة دستورية تعود إلى مرحلة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، عندما تعذر توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لإجراء انتخابات فرعية، فلجأ مجلس الوزراء إلى إصدار القرار بنفسه، وأصبحت الدعوة نافذة بعد انقضاء المهلة القانونية. وعندما طُعن بالمرسوم أمام مجلس شورى الدولة، اعتبر المجلس أن القرار يدخل ضمن الأعمال الإدارية للحكومة وغير قابل للطعن، ما أرسى اجتهادًا قانونيًا يمكن الاستناد إليه في الحالة الراهنة. هذا الاجتهاد يمنح الحكومة الحالية هامشًا قانونيًا واسعًا لاتخاذ القرار المناسب، لكنه في المقابل يضعها أمام اختبار سياسي متوتر، في ظل توازنات دقيقة تحكم العلاقة بين مكونات السلطة.

في خلفية هذا المشهد، يبدو أن التردد لا يرتبط فقط بالاعتبارات القانونية، بل أيضًا بحسابات سياسية تتصل بتوازن القوى الداخلية، حيث إن أي قرار يتعلق بآلية اقتراع المغتربين قد يؤثر على النتائج الانتخابية ويعيد رسم موازين القوى داخل المجلس النيابي المقبل. وتشير المعطيات إلى أن رئيس الحكومة يتعامل بحذر شديد مع هذا الملف، تجنبًا لفتح مواجهة سياسية مع قوى أساسية تفضل مقاربة مختلفة (حركة «أمل» و»حزب الله»)، ما يفسر الإبطاء في اتخاذ القرار النهائي رغم ضيق الوقت.

الضغط الزمني يشكل عاملًا حاسمًا، إذ إن مسألة دعوة الهيئات الناخبة، ولا سيما في الخارج، تتطلب ترتيبات لوجستية وإدارية معقدة، ولا يمكن تأجيلها من دون تعريض العملية الانتخابية برمتها للخطر. ولهذا السبب، من المتوقع أن يكون هذا الملف على طاولة مجلس الوزراء بعد ظهر اليوم الاثنين، ومن خارج جدول الأعمال، باعتبار أن أي تأخير إضافي قد يضع لبنان أمام أزمة دستورية غير مسبوقة.

لذلك، تحوّل الجدل حول اقتراع المغتربين إلى اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على احترام استحقاقاتها الدستورية وإدارة التوازن بين النص القانوني والواقع السياسي. القرار المرتقب لن يحدد فقط آلية مشاركة عشرات آلاف الناخبين في الخارج، بل سيشكل أيضًا مؤشرًا إلى اتجاهات المرحلة المقبلة؛ إما تثبيت مسار الانتظام الدستوري واستعادة الثقة بالمؤسسات، أو الانزلاق مجددًا إلى دوامة التعطيل عبر التمديد التي طبعت الحياة السياسية اللبنانية في العقدين الأخيرين.

Exit mobile version