كتبت ناديا غصوب في “نداء الوطن”:
رغم تصاعد الحديث عن احتمال تأجيل الانتخابات النيابية، لا تزال المعطيات السياسية والقانونية تميل حتى اللحظة إلى ترجيح إجراء الاستحقاق في موعده المحدّد في العاشر من أيار، وسط توازنات داخلية دقيقة وحسابات سياسية شديدة التعقيد.
قانونيًا، يبرز ملف الدائرة 16 الخاصة باقتراع المغتربين كأحد أبرز عناصر الجدل. تعليق هذه الدائرة من قبل وزارة الداخلية يبقى احتمالًا تقنيًا واردًا في حال تعذر إصدار المراسيم التطبيقيّة، إلّا أن ذلك لا يعني حكمًا تأجيل الانتخابات ككلّ، بل قد يندرج ضمن معالجة إجرائيّة ضمن القانون الانتخابي القائم.
أمّا على مستوى الطعون، فتبدو فرص نجاح أي مراجعة أمام المجلس الدستوري محدودة، في ظلّ طبيعة التوازنات السياسية التي تحكم تركيبته، ما يضعف احتمال تعطيل الاستحقاق عبر المسار القانوني ويعزز سيناريو الالتزام بالموعد المحدّد.
سياسيًّا، تشير القراءة الأوّلية إلى أن القوى التقليديّة لا تزال تحتفظ بقدرة تنظيميّة وانتخابيّة واضحة. فمن المتوقع أن تسجّل “القوات اللبنانية” حضورًا متقدّمًا في الشارع المسيحيّ، فيما يحافظ “الثنائي الشيعي”، المتمثل بـ “حزب اللّه” وحركة “أمل”، على موقع متين داخل بيئته، حيث تبدو المنافسة أكثر انضباطًا مقارنة بساحات أخرى.
في المقابل، تبقى الساحة السنيّة الأكثر ضبابيّة، مع غياب مرجعيّة جامعة قادرة على توحيد الصوت الانتخابيّ. وقد أعاد الخطاب الأخير لسعد الحريري إدخال عنصر سياسي إضافي إلى المشهد، عبر إشارات إلى إعادة تفعيل الحضور السياسي وعدم ترك الساحة في حالة فراغ. ورغم غياب إعلان صريح بالمشاركة، فإن باب التأويل لا يزال مفتوحًا، ما قد ينعكس على طبيعة التحالفات وحجم الاقتراع في بعض الدوائر.
وفي موازاة إعادة تموضع الداخل، برزت إشارة خارجية لافتة حملت أبعادًا سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي. فقد أعلنت السفارة الأميركية عبر منصة “إكس” أن السفير عيسى وضع إكليلًا على ضريح رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، مؤكدة أن إرثه في “بناء السلام والازدهار لا يزال يتردّد صداه”، ومشدّدة على “ضرورة تحقيق العدالة ومحاسبة جميع من استهدفوا من قبل جهات فاعلة غير حكومية دفاعًا عن سيادة لبنان”.
في السياق السياسي الراهن، يصعب فصل هذه الرسالة عن النقاش الدائر حول مفهوم السيادة وحصرية السلاح بيد الدولة. فالإشارة إلى “الجهات غير الحكومية” تعيد تثبيت العنوان السياديّ في صلب المعادلة الداخلية، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع توازنات إقليميّة وضغوط دولية متزايدة.
كما أن استحضار إرث الحريري في هذا التوقيت يعكس تمسّكًا أميركيًّا بخط سياسيّ يقوم على دعم مؤسّسات الدولة والاقتصاد المنفتح والعلاقات الدولية المتوازنة، وهي ثوابت شكّلت ركيزة مشروعه السياسي. وهو ما يوحي بأن ملف العدالة في الاغتيالات السياسية لا يزال جزءًا من معادلة الاستقرار في نظر المجتمع الدوليّ، وأن أي مسار إصلاحيّ أو انتخابيّ مقبل سيبقى محكومًا بسؤال الدولة وسلطتها الحصرية.
في موازاة ذلك، تتحدّث أوساط سياسية عن رغبة لدى بعض الأطراف في تأجيل الانتخابات، وقد نُسبت هذه الرغبة جزئيًا إلى محيط رئيس الحكومة نواف سلام، إلّا أن المؤشرات العمليّة لا توحي حتى الآن بوجود مسار سياسيّ فعليّ يقود إلى التأجيل.
بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يتجه نحو استحقاق انتخابي قد يعيد إنتاج التوازنات التقليدية أكثر ممّا يُحدث تحوّلًا جذريًّا فيها. فالاصطفافات الطائفية والسياسية ما زالت عاملًا حاسمًا، فيما تبقى احتمالات الاختراق قائمة لكنها محدودة، ما لم تطرأ متغيّرات كبرى في الأسابيع الفاصلة عن موعد الاقتراع.
وفي ظلّ الأزمة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، يبقى الرهان على أن تشكّل الانتخابات محطّة لإعادة تنشيط الحياة السياسية وفتح نقاش جدّي حول مستقبل الدولة وإصلاح مؤسّساتها، بدلًا من تكريس منطق التأجيل الذي يراكم القلق ويعمّق فقدان الثقة.