كتب شارل جبور في “نداء الوطن”:
كلّ الأنظار تتجه إلى مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، وسط تصاعد في الخطاب السياسي والعسكري الصادر عن الولايات المتحدة، يقابله تصلّب واضح حتى اللحظة من الجانب الإيراني. الرأي العام العالمي يتابع بدقة مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تتدرّج تصاعديًّا نحو اعتبار أن تغيير النظام في طهران قد يكون الخيار الأكثر حسمًا، مع حديث متزايد عن بدائل محتملة، وتعزيزات عسكرية، وبوارج إضافية في المنطقة. الرسالة الأميركية واضحة: إمّا الالتزام بالشروط المطلوبة، بدءًا بالملف النوويّ مرورًا بالصواريخ الباليستية وصولًا إلى الأذرع الإقليميّة، وإمّا مواجهة ضربة مختلفة جذريًّا عمّا سبق.
لم يعد الحديث عن ضربة محدودة هدفها تأخير البرنامج النوويّ أو احتواؤه، أو اغتيال علماء وقادة في الحرس الثوري على غرار ما حصل في حرب الأيام الـ 12 التي شكّلت مزيجًا من رسالة وبروفة. ما يُطرح اليوم، في حال فشل المسار الدبلوماسي، هو ضربة خاطفة وسريعة وقاسية، لا تستهدف منشأة هنا أو موقعًا هناك فحسب، بل تذهب أبعد إلى إحداث تغيير جذريّ في بنية النظام نفسه. فالتقدير السائد في واشنطن أن كلّ محاولات الاحتواء السابقة لم تؤدِّ إلى تعديل سلوك طهران، وأن الإصرار على السياسات ذاتها والأدوات نفسها يعني أن المشكلة بنيوية لا ظرفية.
في موازاة ذلك، يبرز سؤال ملحّ في لبنان: ماذا بعد هذا التطوّر المفصليّ؟ أيًّا تكن النتيجة، اتفاق بشروط أميركية صارمة أو مواجهة عسكرية واسعة، فإن لحظة حاسمة ستولد في المنطقة. وهذه اللحظة، أو ما يمكن تسميته بـ “المومنتوم” التاريخي، لا يجوز أن تمرّ من دون أن يلتقطها لبنان الرسميّ فورًا، عبر الإعداد المسبق لها بدءًا بالآن.
خلال أسابيع قليلة قد يُحسم الاتجاه مع طهران، دبلوماسيًّا أو عسكريًّا. وفي الحالتين، يجب أن تكون الدولة اللبنانية في جهوزية للتحرّك سريعًا تنفيذًا لقرار الحكومة الصادر في الخامس من آب الماضي بشأن نزع السلاح غير الشرعي. فهذه فرصة نادرة لإنهاء المراوحة القاتلة مع سلاح انتهى وظيفيًّا ولم ينتهِ فعليًّا.
إذا انتهت المفاوضات بتنازل واضح من طهران عن حمولتها الثلاثية: النووي، والباليستي، والأذرع الإقليمية، ينبغي أن يكون موقف الدولة اللبنانية فوريًّا وواضحًا: اجتماع حكومي استثنائي يطالب “حزب اللّه” بالتخلّي الفوري عن مشروعه المسلّح، وتسليم سلاحه غير الشرعيّ ضمن مهلة زمنية قصيرة ومحدّدة، تحت طائلة نزع هذا السلاح بالقوّة الشرعية.
أمّا إذا ذهبت الأمور إلى مواجهة عسكريّة أفضت إلى إضعاف النظام الإيرانيّ أو تغييره، فالمطلوب أيضًا اجتماع حكوميّ عاجل يضع خريطة طريق واضحة: تخيير “الحزب” بين التحوّل الكامل إلى العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية، أو مواجهة قرار سياديّ حاسم بحصر السلاح بيد الدولة.
الخشية الدائمة في لبنان كانت دائمًا إضاعة اللحظات المفصليّة والعودة إلى منطق “تدوير الزوايا”. لكن هذه المرة مختلفة. فالتطوّرات في إيران، سواء عبر اتفاق قاسٍ أو عبر ضربة قاضية، ستُحدث تحوّلًا بنيويًّا في البيئة الشرق أوسطية. وأيّ تردّد لبنانيّ سيعيد إنتاج الأزمة نفسها لسنوات إضافية.
إن ادّعاء “حزب اللّه” وخلفه إيران بأن وضعيّة السلاح في لبنان جزء من “خصوصية لبنانية” لم يعد قابلًا للتسويق ولا الاستمرار، لأن الارتباط الاستراتيجي والعقائدي والمالي والعسكري بطهران حقيقة معلنة وليست تفصيلًا عابرًا. فضلًا عن أن هذا السلاح صادر قرار الدولة على مدى عقود وأسهم في تدمير مقوّماتها. ومع تغيّر المعادلة في المركز، يصبح من غير المقبول الإبقاء لحظة واحدة على الوضع الشاذ نفسه في لبنان، وهو وضع كان يفترض إنهاؤه بمعزل عن التطوّرات الإيرانية، لا سيّما بعد التحوّلات الكبرى في السنتين الأخيرتين.
لبنان أمام فرصة تاريخية نادرة، وربما غير قابلة للتكرار. وأخطر ما يمكن فعله هو التعامل بتردّد أو ميوعة مع هذه اللحظة التي حالت دون قيام دولة فعلية منذ واحد وعشرين عامًا على خروج جيش الأسد من لبنان. لذلك، ينبغي أن تكون المؤسّسات الدستورية في جهوزية كاملة: سياسيًا وقانونيًا وعسكريًا وأمنيًا. القرار يجب أن يرتبط مباشرة بإعلان انتهاء المفاوضات أو اندلاع الحرب. في الحالتين، يصدر موقف رسمي واضح يطالب “حزب اللّه” بالتخلي عن مشروعه وسلاحه، وإنهاء كلّ سلاح خارج إطار الدولة ضمن مهلة محدّدة، والشروع فورًًا في التنفيذ.
فإمّا أن يلتقط لبنان “المومنتوم” التاريخي ويحوّله إلى محطة تأسيسيّة تعيد الاعتبار لسيادته الكاملة، وإمّا أن يتركه يمرّ فيعود إلى الحلقة المفرغة نفسها. بين الفرصة والتفويت، تصنع الدول مستقبلها. واليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، المطلوب قرار سريع وحاسم يضع لبنان على طريق المستقبل.

