Site icon IMLebanon

عون يحسمها: الانتخابات في موعدها والتمديد ساقط دستوريًا

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

يتقدّم ملف الانتخابات النيابية إلى واجهة المشهد السياسي بين خيارين لا ثالث لهما وهما: إجراء الاستحقاق في موعده الدستوري أو الانزلاق إلى تمديد جديد للمجلس النيابي. إلا أن المعطيات الدستورية والسياسية المتقاطعة تشير إلى أن كفة الإجراء في موعده هي الأرجح، في ظل موقف حاسم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برفض أي محاولة للتمديد، وتمسكه باستخدام كامل صلاحياته الدستورية للحؤول دون ضرب المهل والاستحقاقات.

في القراءة الدستورية، يمتلك رئيس الجمهورية أدوات فعّالة لتعطيل أي قانون يهدف إلى تمديد ولاية المجلس النيابي. فبموجب المادة 57 من الدستور، يحق له ردّ قانون التمديد إلى مجلس النواب قبل استنفاد مهلة الشهر الممنوحة للتوقيع، ما يضع مجلس الوزراء في صورة الرد ويُعفيه من إصدار القانون إلى حين إعادة مناقشته في المجلس النيابي وإقراره مجددًا بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس. هذا المسار وحده كفيل بإعادة خلط الأوراق السياسية ورفع كلفة أي محاولة تمديد.

ولا تتوقف صلاحيات الرئاسة الأولى عند هذا الحد، إذ يمكن لرئيس الجمهورية الطعن بقانون التمديد أمام المجلس الدستوري، ما يفتح الباب أمام إبطاله إذا ما اعتُبر مخالفًا لمبدأ دورية الانتخابات أو لجوهر النظام البرلماني. كما إن من صلاحياته (المادة 59) تأجيل انعقاد المجلس لمدة لا تتجاوز شهرًا واحدًا، وهو إجراء يمكن استخدامه استثنائيًا للحؤول دون إقرار مشروع قانون تمديد في لحظة سياسية ضاغطة. مجمل هذه الصلاحيات تجعل أي مسار نحو التمديد محفوفًا بعوائق دستورية جدية، وتؤكد أن القرار الرئاسي في هذا الشأن ليس سياسيًا فقط، بل هو مؤسس على نصوص واضحة.

في المقابل، يميّز الموقف الرئاسي بين التمديد السياسي المرفوض كليًا، وبين ما يمكن تسميته بالتأجيل التقني المحدود جدًا، إذا ما استدعت الضرورات الإجرائية ذلك. فالحد الأقصى المقبول، وفق هذه المقاربة، هو تأجيل تقني يهدف حصرًا إلى حماية المهل القانونية في حال تعرضت للتآكل نتيجة ظروف لوجستية أو إدارية قاهرة، على أن يبقى ضمن هامش التسعين يومًا المحددة قانونًا. ما عدا ذلك، فإن أي طرح لتمديد سنة أو سنتين يُعد مساسًا مباشرًا بمبدأ تداول السلطة وثبات التشريع، ولن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أما على الصعيد السياسي، فيتجاوز رفض التمديد البعد الإجرائي إلى بعد استراتيجي يتصل بطبيعة العهد ومساره. فالتمديد، إذا حصل، سيحوّل المجلس المنتخب عمليًا إلى الهيئة التي ستنتخب رئيس الجمهورية المقبل، ما يعني أن هذا المجلس سيعيش ثلثي الولاية الرئاسية الحالية، ويُدخل البلاد باكرًا في بازار رئاسي مفتوح. عندها ستتحول الانتخابات النيابية المقبلة، إذا أُجريت بعد تمديد طويل، إلى انتخابات ذات عنوان رئاسي صرف، حيث تطغى الاصطفافات المرتبطة بالاستحقاق الرئاسي على البرامج الإصلاحية والاقتصادية والسيادية، وتبدأ عمليات طرح الأسماء واختبارها وحرقها مبكرًا، بدل الانكباب على معالجة الأزمات البنيوية التي تعصف بالدولة.

من هذا المنظور، يصبح التمديد ضربًا للمبدأ الذي قام عليه العهد، والقائم على احترام الاستحقاقات الدستورية، إعادة انتظام الحياة المؤسساتية، وإعادة بناء الدولة على قاعدة الانتظام القانوني. كما إن أي سابقة جديدة في هذا المجال ستكرّس منطق تكييف النصوص مع التوازنات السياسية، لا العكس، ما يضعف الثقة الداخلية والخارجية بمسار التعافي المؤسسي.

وعليه، تبدو المعادلة واضحة وهي ان الانتخابات النيابية تتجه، وفق المعطيات الراهنة، إلى الإجراء في موعدها، تحت سقف رفض رئاسي صارم لأي تمديد سياسي. أما الهامش الوحيد المتاح فهو تقني بحت ومحدود زمنيًا، إذا اقتضت الضرورات القانونية ذلك، وبين من يروّج لسيناريوات التأجيل الطويل ومن يتمسك بحرفية الدستور، تبدو الكلمة الفصل لصلاحيات الرئاسة الأولى، في معركة عنوانها حماية الاستحقاق ومنع تحويله إلى منصة اشتباك رئاسي مبكر.

Exit mobile version