Site icon IMLebanon

هجرة السينما المصرية إلى لبنان في الستينيات

كتب محمد همدر في “بي بي سي عربي”:

في منتصف ستينيات القرن الماضي، شهدت السينما المصرية موجة من الإنتاج انتقلت جزئياً إلى لبنان، نتيجة التأميم والتحولات السياسية والاقتصادية في مصر بعد ثورة 1952 وهزيمة 1967. هذا الانتقال جذب المنتجين والمخرجين والممثلين المصريين إلى بيروت، حيث ساهموا في بناء صناعة سينمائية ناشئة جمعت بين نجوم مصر ولبنان وسوريا، وغدت العاصمة اللبنانية محطة سينمائية ثانية بعد القاهرة.

عرفت هذه الفترة باسم سينما “المقاولات” أو “الكومبينة”، إذ اعتمدت الأعمال على الإنتاج التجاري السريع، وجمع النجوم في قصص حب ومغامرات مصوّرة في مواقع لبنانية مشهورة مثل صخرة الروشة وقلعة بعلبك، مع تسجيل بعض الأغاني ومشاهد الحركة، ما شكّل النواة الأولى للفيديو كليب لاحقاً. وقد دعم تدفق رؤوس الأموال من مصر وفلسطين وسوريا هذا النشاط، وبرز “ستوديو بعلبك” كمركز إنتاج فني مجهّز تقنياً.

مع نهاية الستينيات، تغيرت المشاهد السينمائية في مصر مع تولي أنور السادات ومرحلة الانفتاح الاقتصادي، بينما واجهت السينما اللبنانية صعوبات اقتصادية وسياسية أدت لاحقاً إلى الحرب الأهلية عام 1975. رغم ذلك، تركت هذه المرحلة إرثاً كبيراً في الذاكرة السينمائية العربية، وتجلّت في إنتاجات مشتركة وأفلام أكشن ورومانسية وأعمال توثّق التحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

شكّل نجاح القطاع السينمائي في مصر، محلياً وعربياً، دافعاً لاستثماره من قبل السلطة في تمرير رسائلها أو دعايتها، منذ عهد الملكية. وبعد نجاح ثورة يوليو/تموز 1952 على النظام الملكي، مرّت السينما المصرية بمراحل عدّة في طريقها إلى التأميم. فقد أعلنت السلطة الجديدة رؤيتها للسينما في بيان أصدره أول رئيس للجمهورية، محمد نجيب، بعنوان “الفن الذي نريده”، وذلك بعد أربعين يوماً من توليه منصبه.

قال نجيب في بيانه إنّ “السينما وسيلة من وسائل التثقيف والترفيه، وعلينا أن ندرك ذلك، لأنه إذا أسيء استخدامها فإننا سنهوي بأنفسنا إلى الحضيض، وندفع بالشباب إلى الهاوية. فلا يكاد يخلو فيلم من راقصة، وهذا كان يليق بالعهود البائدة، لكنه لا يليق بمصر الثورة”.

عام 1956، وصل جمال عبد الناصر إلى سدة الرئاسة، وأبدى بدوره اهتماماً خاصاً بالسينما. وشهدت بداية عهده محطتين أساسيتين في تاريخ مصر، هما العدوان الثلاثي وتأميم قناة السويس. وفي عام 1957 صدر قرار جمهوري بإنشاء “مؤسسة دعم السينما” بهدف دعم الإنتاج السينمائي وتطويره، ثم أنشئ المعهد العالي للسينما بقرار رسمي عام 1959.

خلال هذه المرحلة، لا توثّق الأعمال السينمائية انتقاداً مباشراً لسياسات السلطة أو لرئيسها أو لمرحلة الثورة. في المقابل، شهدت مضامين الأفلام تحوّلاً يعكس أفكار المرحلة، مثل الاشتراكية ومحاربة الطبقية والنضال ضد الاستعمار، من دون أن يطغى على معظمها الطابع الدعائي المباشر.

في بداية الستينيات صدر قرار تأميم السينما في مصر، أسوةً ببقية القطاعات التي خضعت للتأميم بعد الثورة. واكتملت إجراءات التأميم عام 1963 بعد تأسيس المؤسسة العامة للسينما. شكّل هذا القرار نقطة تحوّل في تاريخ السينما المصرية، وأدّى إلى موجة أولى من هجرة العاملين في القطاع.

أما المحطة البارزة الثانية فكانت هزيمة عام 1967، أو ما عرف بـ”النكسة”، إذ تركت تداعياتها أثراً كبيراً في الإنتاج السينمائي، وأدت إلى موجة ثانية من مغادرة السينمائيين مصر.

في لبنان، كانت السينما تخطو خطواتها الأولى بخجل مقارنة بـ”هوليوود العرب”، لكنّ المنتجين المصريين عرفوا مبكراً الطريق إلى بيروت لتمويل إنتاجاتهم، إذ شكّلت العاصمة اللبنانية مركزاً جاذباً للاستثمار ورأس المال. فقد شهدت تدفّقاً مالياً من فلسطين قبل “النكبة – حرب عام 1948″، ومن سوريا نتيجة الانقلابات وتغيّر أنظمة الحكم. ومع بدء مرحلة التأميم في مصر، أودع بعض المصريين أيضاً أموالهم في بيروت.

وبدأ المشهد أشبه بهجرة معاكسة، إذ كانت القاهرة، قبل هذه المرحلة، وجهةً تستقطب اللبنانيين والعرب الطامحين إلى دخول عالم السينما، تلك الشاشة التي سحرت الملايين قبل انتشار جهاز التلفزيون في المنازل. فظهرت أسماء مثل فريد شوقي، ورشدي أباظة، وعبد السلام النابلسي، ونبيلة عبيد، وناهد شريف، وناهد يسري، ويوسف وهبي، ونادية لطفي، وعشرات الوجوه الأخرى، في أعمال جديدة صُوّرت في لبنان بمشاركة ممثلين لبنانيين وعرب.

توالت المشاهد المصوّرة على شاطئ صخرة الروشة الشهيرة، وفي قلعة بعلبك، وبين المناظر الطبيعية في جبال لبنان، وصولاً إلى التلفريك في حريصا المطلّة على خليج جونية. وكانت معظم قصص هذه الأفلام متشابهة، تدور حول حكايات حب ومغامرات يخوضها أبطال من نجوم الشاشة في مصر ولبنان وسوريا والعراق في مواجهة عصابات أو لصوص، مع أغانٍ مصوّرة في مواقع مختلفة، بدت كأنها النواة الأولى للفيديو كليب.

أطلق على هذه الموجة من السينما التجارية اسم سينما “المقاولات” أو “الكومبينة”، أي “الخلطة”، في إشارة إلى الإنتاج المشترك الذي جمع ممثلين ومنتجين وكتّاباً من دول مختلفة. ورغم الانتقادات التي طالت مضمون هذه الأعمال، لعدم تناولها قضايا أو تحولات اجتماعية، ولضعفها على المستوى التقني في التمثيل والإخراج والتنفيذ، فإنها شكّلت جزءاً حميماً من الذاكرة السينمائية العربية.

برز “ستوديو بعلبك” بوصفه أحد أكبر وأهم استوديوهات الإنتاج الفني المجهّزة تقنياً في العالم العربي. وقد وثّق هذه المرحلة في لبنان كتاب المخرج هادي زكّاك، الصادر باللغة الفرنسية عام 1997 بعنوان “السينما اللبنانية: مسار نحو المجهول”، إضافة إلى كتابات الناقد إبراهيم العريس، فضلاً عن مادة بصرية مهمة تضم ملصقات تلك الأفلام، جمعها الناشر عبودي أبو جودة في كتابه “هذا المساء”.

من بين الأفلام المصرية التي صُوّرت في بيروت: “أبي فوق الشجرة”، و”مرحباً أيها الحب”، و”بدوية في باريس”، و”سيدة الأقمار السوداء”، و”إنتربول في بيروت”. وكان المخرج يوسف شاهين من بين الأسماء التي وصلت إلى بيروت، لكنه لم ينخرط في موجة أفلام “الكومبينة”، بل تفرّغ لتصوير فيلم “بياع الخواتم” مع الأخوين الرحباني وفيروز.

مع نهاية الستينيات، كانت السينما في لبنان ومصر على موعد مع تحوّل جديد. فقد توفي جمال عبد الناصر، وخلفه أنور السادات، لتدخل مصر مرحلة سياسية مختلفة اتسمت بشعارات الانفتاح الاقتصادي على القطاع الخاص والخارج، وبالسعي إلى السلام مع إسرائيل.

أما في لبنان، فلم تستمر طويلاً الصورة النمطية التي أحاطت ببيروت في الستينيات باعتبارها مدينة السينما والسهر والانفتاح والازدهار والمصارف. فقد تراكمت خلف هذه الصورة مشكلات اقتصادية، واتسعت الفوارق الطبقية، واحتدم الانقسام حول قضايا سياسية متعددة، من بينها تأييد الناصرية أو العروبة أو القضية الفلسطينية، التي انتقلت حركتها المسلحة إلى لبنان، ولا سيما بعد هزيمة عام 1967.

وظهرت أفلام جديدة تمجّد “المقاومة الفلسطينية” وتتناول الصراع مع إسرائيل، وإن بقيت في إطار الأفلام السائدة، بلغة “الأكشن” والمبالغات البطولية. كما برز جيل جديد من المخرجين الذين شكّلت الأحداث في لبنان والمنطقة وعيهم السياسي، وسعوا إلى التعبير عن واقع مغاير للصورة السائدة على الشاشة آنذاك، من أبرزهم كريستيان غازي، ومارون بغدادي، وبرهان علوية.

ومع تفاقم الانقسام السياسي، اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، فاتجهت السينما لاحقاً إلى أعمال صُنّفت ضمن “سينما الحرب”، واستمرت هذه المرحلة سنوات طويلة حتى بعد توقف القتال في مطلع التسعينيات. وخلال الحرب الأهلية، استمر إنتاج عدد من أفلام “الأكشن” اللبنانية في ظل غياب الإنتاج المشترك مع مصر. ورغم ضعف هذه الأعمال على المستوى التقني في مضمونها وتنفيذها، فإنها شكّلت جزءاً من ذاكرة السينما اللبنانية في زمن الحرب.

ومع مرور الوقت، قضت الحرب على ازدهار الصناعة السينمائية في لبنان، وأفرغت دور العرض من جمهورها، حتى تحولت بعض الصالات إلى أماكن استراحة لمقاتلي الميليشيات المتحاربة.

Exit mobile version