كتب المحامي زكريا الغول في اللواء:
في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي يمرّ بها لبنان، يكثر الحديث عن الحاجة إلى دعمٍ خارجي يعيد التوازن إلى دولة أنهكها الانقسام والانهيار. غير أنّ استعادة الذاكرة التاريخية تبيّن بوضوح أن الدعم العربي للبنان لم يكن يوماً مفهوماً نظرياً أو شعاراً عاطفياً، بل تجسّد، على مدى عقود، في أدوار ملموسة كان أبرزها الدور الذي اضطلعت به المملكة العربية السعودية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
من الخطأ اختزال العلاقات اللبنانية – السعودية بمرحلة ما بعد الاستقلال فقط. فالتواصل بين الجانبين بدأ قبل قيام الدولة اللبنانية بصيغتها النهائية، في زمنٍ كانت فيه المنطقة تعيد تشكيل هويتها السياسية. في ثلاثينيات القرن العشرين، ومع صعود المملكة العربية السعودية كدولة عربية مركزية، نشأت علاقات مبكرة مع النخب السياسية والفكرية في المشرق، وكان للبنان، بثقله الثقافي والفكري، موقعٌ خاص في هذا المشهد.
هذا التواصل المبكر لم يكن عابراً، بل أسّس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وعلى إدراك سعودي لدور لبنان كمساحة انفتاح وحوار في العالم العربي، لا كدولة هامشية أو ساحة نفوذ.
مع استقلال لبنان عام 1943، برز الموقف السعودي الداعم لسيادة الدولة اللبنانية وانتمائها العربي. وقد تميّز هذا الدعم، منذ بداياته، بصفة جوهرية غالباً ما أُغفلت في النقاش العام: السعودية دعمت لبنان كدولة، لا كجماعات أو محاور.
في زمن كانت فيه الانقلابات والصراعات الأيديولوجية تهدّد الكيانات العربية الناشئة، حافظت المملكة على موقف ثابت يدعو إلى استقرار لبنان، واحترام توازناته الداخلية، وحماية صيغة العيش المشترك التي شكّلت أساس نظامه السياسي.
حين دخل لبنان في دوّامة الحرب الأهلية عام 1975، لم تنكفئ السعودية، ولم تتعامل مع الأزمة كحدث داخلي معزول. على العكس، رأت فيها خطراً عربياً شاملاً، لأن انهيار لبنان لم يكن ليبقى محصوراً داخل حدوده.
من هنا، جاء الانخراط السعودي في الجهود العربية لوقف الحرب، وصولاً إلى رعاية اتفاق الطائف عام 1989، الذي لا يزال حتى اليوم الإطار الدستوري الناظم للحياة السياسية اللبنانية. ومهما اختلف اللبنانيون في تفسير هذا الاتفاق أو في طريقة تطبيقه، يبقى واقعاً لا يمكن إنكاره: لولا الرعاية السعودية، لما وُضع حدّ للحرب في ذلك التوقيت، ولما أُعيد فتح الباب أمام قيام الدولة من جديد.
في مرحلة ما بعد الحرب، لم يكن الدور السعودي صاخباً، بل اتّسم بالهدوء والاستمرارية. دعمٌ اقتصادي، مساهمات في إعادة الإعمار، احتضانٌ لجالية لبنانية فاعلة، ومواقف سياسية تؤكّد في كل مرة أن استقرار لبنان أولوية عربية، لا ورقة تفاوض.
هذا النمط من الدعم، القائم على العمل لا الخطاب، يفسّر لماذا بقيت السعودية، رغم تقلّبات السياسة، مرجعية أساسية يُعاد الرجوع إليها كلما دخل لبنان في مأزق وجودي.
السؤال الحقيقي ليس لماذا تحتاج السعودية إلى لبنان؟ بل لماذا يحتاج لبنان إلى السعودية في هذه المرحلة بالذات؟ الجواب لا يرتبط فقط بالبعد المالي أو الاقتصادي، بل بالدور السياسي العربي الذي تملكه المملكة، وبقدرتها على إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي ضمن محيطه، بعد سنوات من العزلة والانكفاء.
السعودية لا تقدّم حلولاً سحرية، ولا تتدخّل لفرض نماذج جاهزة، لكنها تشترط، كما أثبتت التجربة، حداً أدنى من منطق الدولة: سيادة، مؤسسات، وإصلاحات. وهي شروط، إذا ما قورنت بحجم الأزمات اللبنانية، تبدو أقرب إلى بديهيات إنقاذ لا إلى إملاءات سياسية.
من منظور أوسع، لا يمكن فصل الدور السعودي في لبنان عن رؤية المملكة للأمن العربي. فلبنان المستقر ليس مجرّد دولة صغيرة ناجحة، بل عنصر توازن في منطقة تتنازعها الصراعات. وأي فراغ فيه يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، وهو ما تدركه الرياض جيداً.
لهذا، فإن استقرار العلاقات اللبنانية – السعودية ليست ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية للبنان أولاً، وللعالم العربي ثانياً.
منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أثبتت المملكة العربية السعودية أنها شريك ثابت للبنان، لا حليفاً ظرفياً وفي زمن تتبدّل فيه التحالفات بسرعة، يبقى الثبات قيمة سياسية نادرة. إن استعادة لبنان لعلاقته الطبيعية مع السعودية يعني العودة إلى عمق عربي شكّل، تاريخياً، صمّام أمان لاستقراره.
وفي بلدٍ يبحث اليوم عن فرصة أخيرة للإنقاذ، قد يكون أوضح الدروس هو هذا: من أراد دولةً مستقرة، عليه أولًا أن يعيد وصل ما انقطع مع من دعم الدولة يوم كانت تتداعى.