كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”:
أعاد قرار هيئة التشريع والاستشارات حول اقتراع غير المقيمين التركيز على المسجلين للاقتراع في الخارج، إلّا أن أعداد المغتربين المسجلين تختلف من قارة إلى أخرى، ففي حين تسجّل أوروبا النسبة الأكبر من المسجلين، أي ما يقارب الثلث، تسجّل أميركا اللاتينية النسبة الأدنى، وتطرح هذه الأرقام إشكالية الدائرة 16 من جديد، خصوصًا أن تخصيص مقعد نيابي لكل قارة يتنافى مع مبدأ المساواة بين الناخبين، إذ قد يحصل نائب أوروبا على خمسة وعشرين ضعف عدد الأصوات التي يحصل عليها نائب أميركا اللاتينية، على سبيل المثال.
تصدّرت فرنسا الدول الأكثر تسجيلًا للبنانيين في الخارج في الانتخابات، وفق الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية والبلديات بعد المصادقة على طلبات التسجيل، وتأتي كندا والولايات المتحدة في المرتبتين الثانية والثالثة من القارة الأميركية، فيما حلّت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى عربيًا، وساحل العاج في المرتبة الأولى أفريقيًا.
وفي حال تصويت غير المقيمين في دوائر سجلات نفوسهم وإلغاء الدائرة 16، سيكون بمقدورهم المساهمة في التصويت للوائح في دوائرهم الأصلية.
توزيع المنتشرين بحسب القارات
تُظهر الأرقام الرسمية أن أوروبا تتصدر القارات من حيث عدد المسجلين للاقتراع في الخارج بـ 53,374 ناخبًا، ما يجعلها الكتلة الأكبر بين القارات، تليها أميركا الشمالية بـ 34,003 ناخبين، ثم آسيا بـ 28,655، فأفريقيا بـ 14,710، وأوقيانوسيا بـ 11,099، فيما تسجل أميركا اللاتينية العدد الأدنى بـ 2,655 ناخبًا فقط، ويُظهر هذا التفاوت فارقًا كبيرًا بين أوروبا وأميركا اللاتينية، إذ يفوق عدد المسجلين في الأولى نظيره في الثانية بأكثر من عشرين ضعفًا، ما يعيد طرح مسألة عدالة التمثيل في حال تخصيص مقعد لكل قارة ضمن ما يُعرف بـ «الدائرة 16»، بحيث يمثل نائب أوروبا عشرات آلاف الناخبين مقابل بضعة آلاف فقط في أميركا اللاتينية.
وعلى مستوى الدول، تصدّرت فرنسا قائمة الدول الأكثر تسجيلًا بـ 21,303 ناخبين، تلتها كندا بـ 18,658، ثم الولايات المتحدة بـ 15,345، وألمانيا بـ 14,698، والإمارات العربية المتحدة بـ 12,739، فالسعودية بـ 6,459، وساحل العاج بـ 5,512، وقطر بـ 4,562، وبريطانيا بـ 3,922، والسويد بـ 3,020، وتعكس هذه الأرقام ثقل الحضور اللبناني في أوروبا وأميركا الشمالية تحديدًا، إلى جانب حضور وازن في دول الخليج وأفريقيا.
توزيع المسجلين على الدوائر
أما في حال إلغاء «الدائرة 16» واعتماد اقتراع غير المقيمين في دوائر سجلات نفوسهم، فتتوزع أعداد المسجلين على الدوائر الانتخابية وفق تفاوت واضح بين منطقة وأخرى، فقد بلغ عدد المسجلين في بيروت الثانية 13,777 ناخبًا، وفي صور 10,593، وفي الشوف 9,255، وفي المتن 8,434، وسجلت مرجعيون – حاصبيا 6,423، والزهراني 6,421، وزحلة 6,291، وبعلبك – الهرمل 6,279، وبنت جبيل 6,158، فيما بلغ العدد في النبطية 5,693، وفي عاليه 5,649، وفي زغرتا 5,354، وفي بيروت الأولى 5,109، وفي كسروان 5,096. أما عكار فسجلت 4,893، والبترون 4,356، وطرابلس 4,279، وبشري 4,031، وجبيل 4,015، والكورة 3,301، في جزين 3,341، في حين بلغ العدد في صيدا 1,606، وفي الضنية 1,427، وسجلت المنية العدد الأدنى بـ 520 ناخبًا.
وتكشف هذه الأرقام تفاوتًا ملحوظًا في حجم التأثير المحتمل للمغتربين بين دائرة وأخرى (والتفضيلي بحسب القضاء)، إذ يتجاوز عددهم عشرة آلاف ناخب في بعض الدوائر، فيما ينخفض إلى بضع مئات فقط في دوائر أخرى، ما يعكس اختلاف الوزن الانتخابي للصوت الاغترابي تبعًا للخيار القانوني المعتمد.
نخول يفصل بالأرقام
وفي هذا السياق، قال الخبير الانتخابي ومؤسس شركة «ستاتيفي» الإعلامي جان نخول لـ «نداء الوطن» إن «القانون يتحدث عن ست قارات، فيما التصنيف المعتمد عالميًا يقوم على خمس قارات، ومع ذلك، يجرى اعتماد أميركا اللاتينية قارةً سادسة استنادًا إلى الإيضاحات الرسمية، وإذا اعتبرناها كذلك، فإن عدد المسجلين فيها يبلغ 2,001 ناخب فقط، أي إن هذا العدد ينتخب نائبًا، في مقابل نحو 50 ألف ناخب في أوروبا ينتخبون نائبًا أيضًا، هنا يختل معيار المساواة منذ البداية، لأن التقسيم لا يقوم على قاعدة عادلة، والأمر نفسه ينطبق عند المقارنة بين أستراليا من جهة، وأميركا الشمالية أو آسيا من جهة أخرى، حيث تختلف الأعداد بشكل كبير لنائب واحد، وهذا هو المعيار الأول».
وتابع: «أما المعيار الثاني فيتعلق بمسألة تقسيم الطوائف، إذ إن عدد الدروز المسجلين منخفض جدًا، إلى درجة يصعب معها اعتبار التمثيل عادلًا أو ثابتًا، فعند المقارنة مع عدد الموارنة مثلًا، يظهر الفارق بوضوح، رغم أن كلاهما يُفترض أن يُنتخب له نائب، إلا أن الفرق في الحجم العددي كبير جدًا».
ولفت إلى أنه «في الإحصاءات يُفترض عادة أن نسبة الاقتراع في الخارج تبلغ 50 في المئة، استنادًا إلى الدورتين السابقتين، وباحتساب عدد المقترعين المحتملين من الدروز، يتبيّن أن قدرتهم على التأثير في المقعد محدودة، ما يجعله عمليًا متأثرًا بأصوات طوائف أخرى، وبالتالي لا تعود العدالة قائمة، لا للمقعد ولا للطائفة».
أضاف: «إذا افترضنا أن عدد الدروز سبعة آلاف، وصوّت منهم ثلاثة آلاف، فيما نسبة الاقتراع سبعون ألفًا والحاصل الانتخابي 11 الفًا، فهذا يعني أن المقعد يحتاج إلى أحد عشر أو اثني عشر ألف صوت، أي إنهم لا يستطيعون بمفردهم حسمه، وعندما يدرك الناخبون هذه المعادلة، قد تنخفض نسبة مشاركتهم بدل أن ترتفع، ما ينعكس سلبًا على المقترعين».
وختم قائلًا: «هناك من يدافع عن الدائرة على أنها دائرة مسيحية بحتة ومنهم «التيار الوطني الحرّ». لكن إذا نظرنا إلى التركيبة، وافترضنا أن عدد المقترعين سبعون ألفًا، وأن الحاصل أحد عشر أو اثني عشر ألفًا، فإن انتخاب عشرين ألف ناخب شيعي يعني حجز مقعدين. وإذا انتخب عشرة آلاف سنّي، فقد يؤمّنون المقعد الثالث. وعندها يصبح الأمر فعليًا إما ذهاب المقعد الدرزي أو ذهاب مقعد مسيحي ثالث. وبالتالي يُطرح السؤال: ما الذي يبقى مسيحيًا في هذه الحالة، وكيف يمكن اعتبار هذه الدائرة مسيحية خالصة؟».
إذًا، تكشف الأرقام أن مسألة اقتراع غير المقيمين لم تعد تفصيلاً تقنيًا بل عنصرًا حاسمًا في رسم موازين انتخابات 2026، فالتفاوت بين القارات، وبين الدول، وداخل الدوائر الانتخابية نفسها، يضع مبدأ المساواة بين الناخبين أمام اختبار فعلي، سواء أُبقيت «الدائرة 16» أم أُلغيت.

