كتبت باسكال صوما في “نداء الوطن”:
رفض أهالي علما الشعب مغادرة قريتهم برغم الوضع الأمني والتحذيرات والإنذارات الإسرائيلية. تجمعوا أمام الكنيسة قارعين الأجراس، في مشهد بدا بالنسبة إلى البعض سورياليًا: مواطنون يختارون مواجهة الموت، والبقاء في قراهم برغم خطر القصف بدل النزوح إلى مناطق أكثر أمانًا.
إلا أن خلف هذا القرار رواية مختلفة يرويها أبناء القرى المسيحية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، حيث لم يعد الخوف محصورًا بالحرب نفسها، بل بما قد تخلّفه مغادرة الأرض من تداعيات أمنية وديموغرافية طويلة الأمد.
في بلدات مرجعيون والقليعة ودير ميماس وبرج الملوك وسواها من القرى ذات الغالبية المسيحية، يتحدث ناشطون محليون عن حالة تململ متزايدة في صفوف الأهالي نتيجة استخدام “حزب الله” محيط بعض القرى وأراضيها الزراعية لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ما يجعلها، وفق تعبير أحد أبناء المنطقة، “مناطق مكشوفة تدفع ثمن قرار لا يملكه سكانها”.
ويقول ناشط من قضاء مرجعيون إن “الأهالي يشعرون بأنهم عالقون بين نارين: البقاء تحت خطر القصف الإسرائيلي، أو المغادرة وترك القرى فارغة، ما يفتح المجال لتحويلها إلى منصات عسكرية لـ “حزب الله” الذي يستخدم قرى القطاع الشرقي هذه المرة في “حرب الإسناد” الثانية التي أطلقها لمساعدة إيران في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل”. ويضيف “أن كثيرين يرفضون النزوح تحديدًا لهذا السبب، إذ يخشون أن يؤدي إخلاء البلدات إلى فقدان السيطرة المدنية عليها”.
يتقاطع هذا القلق مع هواجس أخرى تتعلق بموجات النزوح الداخلية المتزايدة من القرى الحدودية الأكثر عرضة للقصف. فمع ارتفاع أعداد النازحين الذين يبحثون عن مأوى، يجد سكان القرى المسيحية أنفسهم أمام معضلة إنسانية وأمنية في آن واحد.
توضح إحدى السيدات من بلدة القليعة، أن “الناس يريدون المساعدة، لكن الخوف موجود”، مشيرة إلى أن بعض العائلات تتردد في استقبال نازحين لا تعرفهم خشية أن يكون بينهم أشخاص مستهدفون أو عناصر من “حزب الله”، ما قد يعرّض المنزل المستضيف وعائلته للخطر المباشر في حال حصول استهداف. وتضيف: “لا أحد يريد أن يتحول بيته إلى هدف”.
ويؤكد ناشط اجتماعي في المنطقة أن هذا التخوف يتم التداول به علنًا بين الأهالي، وإن بقي بعيدًا من التصريحات الرسمية، قائلًا إن “الخطر لم يعد نظريًا، فكل منزل قد يصبح جزءًا من المعركة من دون علم أصحابه”.
إلى جانب ذلك، تزيد الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء من منسوب القلق الجماعي، فعادت حالات الهلع تطغى من جديد على المنطقة، بانتظار أي بلدة سيُذكر اسمها في تلك الإنذارات، وإلى أي وجهة سيتجه السكان. تراهم يقضون الليلة الثانية في سياراتهم المركونة على جوانب الطرقات.
ويروي أحد أبناء دير ميماس أن الاتصالات انهالت بين الأهالي خلال دقائق “وسط خوف حقيقي من أن تكون القرى المسيحية دخلت فجأة ضمن بنك الأهداف”. وسرعان ما تعرّض منزل في دير ميماس لقذيقة مدفعية بحسب ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام صباح أمس. هذه الحادثة كشفت هشاشة الشعور بالأمان وسرعة انتقال الذعر في مجتمع يعيش على وقع الإنذارات اليومية.
في القطاع الشرقي من الجنوب، لا ترتبط المخاوف بالحرب الدائرة فقط، بل أيضًا بمستقبل الوجود السكاني في منطقة شهدت خلال العقود الماضية موجات هجرة متتالية. ويقول أحد السكان: “الناس يخشون أن تتحول الحرب الحالية إلى عامل دفع جديد للهجرة النهائية”، مضيفًا أن “كل عائلة تغادر اليوم قد لا تعود، أو تعود لتجد أن منزلها مصادر أو مدمّر”.
وبين قرع أجراس الكنائس والبقاء في القرى رغم المخاطر، يحاول الأهالي توجيه رسالة مزدوجة: رفض تحويل بلداتهم إلى ساحات مواجهة، وفي الوقت نفسه التمسك بأرض يعتبرون أن خسارتها هذه المرة قد تكون نهائية.

