Site icon IMLebanon

إعلان وقف إطلاق النار الجديد: هل دخل لبنان مرحلة إعادة تأسيس الشرعية الأمنية؟

Black smoke rises from an Israeli airstrike on the outskirts of Aita al-Shaab, a Lebanese border village with Israel in south Lebanon, Saturday, Nov. 4, 2023. The Lebanon-Israel border has been the site of regular clashes between Israeli forces on one side and Hezbollah and Palestinian armed groups on the other since the beginning of the Israel-Hamas war. (AP Photo/Hussein Malla)

كتب المحامي إميل عون في نداء الوطن:

منذ عام 1949، تعاقبت على العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية عدة أطر قانونية بدءًا باتفاق الهدنة لعام 1949 ومرورًا بترتيبات ما بعد اجتياح 1978، كما ترتيبات ما بعد عام 2000، القرار 1701 عام 2006، وأخيرًا تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة. فمن الطبيعي طرح السؤال التالي: هل يشكل إعلان وقف إطلاق النار الجديد مجرد حلقة إضافية؟ أم أنه يمثل بداية انتقال لبنان من منطق النزاع العسكري المفتوح إلى منطق الإدارة القانونية الدائمة للنزاع؟ وهذا تمييز أساسي في أدبيات القانون الدولي المعاصر، فللمرة الأولى يصبح موضوع التفاوض هو الدولة نفسها، ففي اتفاق الهدنة لعام 1949 كان موضوع التفاوض الأعمال العسكرية وفي مفاوضات الترسيم البحري لعام 2022 كان موضوع التفاوض الحدود والموارد الطبيعية.

أما في المرحلة الحالية فإن الموضوع الحقيقي يبدو مختلفًا، فالملفات المطروحة تشمل انتشار الجيش واحتكار القوة وآليات الرقابة والمرجعية الأمنية وتنفيذ القرار 1701، أي أن موضوع التفاوض لم يعد الأرض فقط، بل الدولة اللبنانية نفسها. وهنا تظهر أهمية ملاحظة الفقيه جايمس كراوفورد الذي اعتبر أن جوهر الدولة لا يتمثل فقط في الإقليم والسكان، بل أيضًا في القدرة الفعلية على ممارسة السلطة العامة. تعقيبًا على مسألة إعلان وقف إطلاق النار الجديد، يطرح الكاتب باختصار شديد استكمالًا لقراءاته السابقة ذات الصلة ثلاثة أفكار هي التالية:

أولاً، تطور القرار 1701 من قرار أممي إلى إطار دستوري – أمني غير مباشر

عندما صدر القرار 1701، كان يُنظر إليه كقرار متعلق بوقف الأعمال العدائية، لكن بعد مرور عقدين تقريبًا، أصبح مرجعًا للانتشار العسكري ومرجعًا للمفاوضات ومرجعًا للتقييم الدولي لأداء الدولة اللبنانية. بمعنى هل تحول القرار 1701 عمليًا إلى ما يشبه “الدستور الأمني” للجنوب اللبناني؟ الجواب بطبيعة الحال ليس دستورًا بالمعنى القانوني الرسمي، ولكن من الناحية الوظيفية أصبح يشكل الإطار المرجعي الناظم لمعظم المسائل الأمنية في الجنوب.

فغالبًا ما يتمحور النقاش اللبناني حول السلاح والقوة والانتشار العسكري، لكن يتمثل التطور الأهم قانونيًا في شيء آخر وهو احتكار الشرعية. في الفكر الدستوري الحديث لا تكفي قدرة الدولة على استعمال القوة، بل يجب أن تكون الجهة الوحيدة التي تمنح الشرعية لاستعمالها. وهذا ما يميز الدولة الحديثة وفقًا لأعمال عالم الاجتماع ماكس ويبير، لذلك فإن جوهر المرحلة الحالية قد لا يكون من يحمل السلاح، بل من يملك الحق القانوني النهائي في تقرير مشروعية استعماله.

ثانياً، لبنان بين نموذج السلام ونموذج الإدارة

شدد الكاتب مرارًا على تمييز الفقه الدولي بين التطبيع السياسي الذي يقتضي اعترافًا وعلاقات دبلوماسية وتبادلًا رسميًا وهو غير مطروح حاليًا، وبين مفهوم Functional Normalization أي ما يمكن اعتباره كمسار الاجتماعات الدورية وآليات الاتصال واللجان المشتركة والترتيبات الميدانية الدائمة ولكن من دون اعتراف سياسي رسمي، وهذا النموذج معروف في حالات عديدة مثل قبرص وشبه الجزيرة الكورية.

والسؤال الذي يطرح: هل يؤدي استمرار الترتيبات التقنية إلى نشوء شكل من أشكال التطبيع الوظيفي دون قرار سياسي معلن؟ في الفكر التقليدي للعلاقات الدولية كان يوجد خياران اما الحرب أو السلام، أما اليوم فقد ظهر خيار ثالث وهو Conflict Management ، أي إدارة النزاع بدل حله. وقد ناقش ذلك بشكل موسع يوران دينشتاين عند تحليله للنزاعات الممتدة في النظام الدولي المعاصر. فيكون السؤال هل ما يُبنى اليوم في جنوب لبنان يهدف إلى حل النزاع أم إلى جعله قابلاً للإدارة فقط وهذا السؤال بالغ الأهمية.

ثالثاً، السيادة المشروطة أم السيادة الفاعلة

هذه المسألة القانونية هي ربما الأخطر في المرحلة الراهنة، فالهدف المعلن هو تعزيز الدولة اللبنانية ودعم الجيش وتثبيت الاستقرار، ولكن هل يؤدي ذلك إلى سيادة فاعلة، أي الى تعزيز قدرة الدولة على ممارسة سلطتها، أم إلى سيادة مشروطة أي سيادة مرتبطة برقابة خارجية دائمة؟ وقد ناقش أنطونيو كاسيزي هذه الإشكالية عند بحثه في تطور مفهوم السيادة بعد الحرب الباردة.

بكل الاحوال، ظهرت في العديد من النزاعات الدولية فئة قانونية جديدة تعرف باسم Transitional Security Arrangements، أي الترتيبات الأمنية الانتقالية، وقد استُخدمت في البوسنة وكوسوفو وإيرلندا الشمالية، وهي لا تشكل حربًا ولا سلامًا نهائيًا، بل مرحلة انتقالية طويلة بينهما. فهل دخل لبنان هذا النموذج؟ إذا كان الجواب ايجابي، فإن آثار ذلك ستكون دستورية وسيادية تتجاوز بكثير مسألة وقف إطلاق النار.

كخلاصة، إن إعلان وقف إطلاق النار الجديد لا يطرح فقط مسألة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل يطرح للمرة الأولى منذ اتفاق الطائف سؤالًا يتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وبمدى قدرتها على أن تكون المرجعية الحصرية للقرار الأمني والسيادي داخل أراضيها. وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية وخطورتها في آن واحد.

Exit mobile version