كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:
طوال عقود، لم يكتفِ “حزب الله” ببناء تنظيمه العسكري والعقائدي، بل ذهب إلى ما هو أخطر من عسكرة المجتمع، إلى بناء “سجن نفسي وسياسي” داخل بيئته، ثم تصديره إلى بقية اللبنانيين. لم يكن السلاح وحده وسيلته للسيطرة، بل الرواية أيضًا. ففي منطق الدعاية الشمولية، كـ”الغوبلزية” و”السوفياتية” ثم “الممانعتية”، لا تنتصر الرواية لأنها صحيحة، بل لأنها تُكرَّر بإلحاح وتدبير ممنهج حتى تبدو كأنها حقيقة عامة، ولو ناقضتها الوقائع.
بعد كل حرب، كانت اللازمة نفسها تتردّد: انتصرنا. ومع الوقت، تحوّل هذا الإعلان إلى عقيدة ملازمة، بل إلى عقدة نفسية مرضية، تمنع المحاسبة أو حتى التشكيك. لا يهمّ حجم الدمار، ولا عدد القرى المنكوبة، ولا كلفة الحرب على الناس؛ المهم أن يبقى الخطاب قادرًا على تحويل الخسارة إلى “بطولة”، والخراب إلى “صمود”، والنزوح إلى “تضحية”.
بهذا المعنى، مارس “الحزب” ما يمكن تسميته “صناعة الرضا” داخل بيئته، و”صناعة اليأس” لدى خصومه (وفق المفهوم الذي تناوله هيرمان – تشومسكي في كتابهما عن صناعة الرأي). فهو لم يكن يخاطب جمهوره فقط، بل كان يستهدف كل اللبنانيين، محاولا إقناعهم بأن انتصاره حتمية تاريخية، وأن كل صفقة ستُعقد لمصلحته، وكل تسوية ستأتي على حسابهم، وكل تبدّل إقليمي سينتهي بتكريس وصايته. لقد أراد أن يعيش اللبنانيون في عجز مسبق، أي أن يقتنعوا سلفًا بأن لا شيء يتغيّر، وأن “حزب الله” لا يُهزم، وأن الدولة لا تستطيع أن تستعيد قرارها.
وهنا تكمن خطورة البروباغندا الممانعة. فهي لا تكتفي بتجميل الهزيمة أمام جمهورها، بل تصنع عند الآخرين شعورًا بالانكسار. كأنها تقول لهم: لا تراهنوا على السياسة، لا تراهنوا على التحولات، ففي النهاية سنبقى نحن الأقوى. ولأن اللبنانيين عاشوا سنوات طويلة تحت ستاتيكو إقليمي كان يميل لمصلحة المحور الإيراني، صدّق كثيرون هذه الرواية السوداء، لا عن قناعة، بل عن تعب وخبرة مريرة مع التعطيل والتهديد وفائض القوة.
لقد نشأت، مع الوقت، حالة نفسية – سياسية شديدة التشاؤم. صار قسم من الشعب اللبناني يرى “الحزب” قدرًا، لا قوة سياسية قابلة للهزيمة أو التراجع. وهذه هي النتيجة الأخطر لأي هيمنة طويلة: أن تتحوّل السيطرة إلى قناعة داخلية لدى الخاضعين لها. عندها لا يعود بحاجة إلى أن يهدد دائمًا، لأن الخوف منه يسبق تهديده. ولا يعود بحاجة إلى أن ينتصر فعلًا، لأن كثيرين يسلّمون له بالنصر مهما كانت نتائج حروبه.
لذلك، يحتاج اللبنانيون إلى جهد نفسي وسياسي لتحرير أنفسهم من سطوة الوهم القديم. المطلوب أن ينظروا إلى الوقائع كما هي، لا كما يريد “حزب الله” أن يقدّمها. فإذا خسر الأرض، فهذه خسارة لا انتصار. وإذا عجز عن وقف مسار التفاوض المباشر اللبناني – الإسرائيلي الذي لا يريده، فهذه هزيمة سياسية لا مناورة. وإذا لم يعد قادرًا على فرض المعادلات كما كان يفعل، فهذا تراجع في فائض القوة لا “صبر استراتيجي”. وإذا تحوّلت القرى التي قال إنه يحميها إلى ركام أو مناطق محرّمة على العودة، فلا يمكن للخطابات والبيانات ومنصات “السوشيل ميديا” أن تلغي الحقيقة التي يراها الناس بأعينهم.
المسألة إذًا ليست في أن يعلن نصره أو لا يعلنه. هو سيعلنه دائمًا، لأن الاعتراف بالخسارة يهدم جزءًا من بنيته النفسية والسياسية. المسألة في أن يتوقف اللبنانيون عن تصديق إعلانات النصر المزيّفة. من هنا تبدأ الهزيمة الأعمق لـ”حزب الله”.

