Site icon IMLebanon

واشنطن تعيد تعريف ملف “الحزب”

كتبت أمل شموني في “نداء الوطن”:

مع اتضاح بعض ملامح التفاهم الأميركي – الإيراني، لا يبرز لبنان كمستفيد من خفض التصعيد، بل كواحد من أكثر نقاط التوتر هشاشة وعرضة للمخاطر. ورغم أن الاتفاق يَعِد بوقف لإطلاق النار لمدة 60 يومًا وبتهدئة إقليمية أوسع، إلا أنه يترك العامل الأبرز من دون حل: الوجود المسلح لـ”حزب الله”.

وفي هذا السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس إن “السلام في لبنان أمر علينا أن نعمل عليه قليلا”، معتبرًا أن الملف اللبناني “يثير كثيرا من الضجيج”. وبحسب ترامب، يبقى ملف “حزب الله” جزءًا من التشابك الإقليمي، مع تأكيده أن أي مقاربة يجب أن تراعي موقف لبنان نفسه في كيفية المضي قدمًا.

من هنا، يُقرأ مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، الذي قدّمه رئيس لجنة القوات المسلحة روجر ويكر إلى مجلس الشيوخ في 15 حزيران، بوصفه وثيقة تكشف كيفية إعادة ترتيب أولويات الأمن الأميركي في المشرق. وفي حالة لبنان، تشير المصادر الأميركية إلى وضوح الرسالة: لم يعد ملف “حزب الله” يُعامل أساسًا كامتداد تقليدي للمساومة مع طهران، بل كاختبار مباشر لقدرة بيروت على احتكار السلاح وفرض السيادة. ومن هذه الزاوية، يصبح لبنان حاضرًا في الحسابات الأميركية، ليس باعتباره المستفيد الطبيعي من أي تهدئة أميركية – إيرانية، بل باعتباره الساحة التي قد تُظهر حدود تلك التهدئة ومكامن هشاشتها.

هذا التحوّل لا يظهر فقط في التصريحات الدبلوماسية. فالصياغات المتداولة في مشروع القانون تذهب أبعد بكثير من العبارات التقليدية عن دعم الجيش أو تقوية مؤسسات الدولة. فهنا تربط واشنطن المساعدة العسكرية بهدف محدد: منع “الحزب” وغيره من التنظيمات المصنفة إرهابية من استخدام الأراضي اللبنانية لتهديد المصالح الأميركية والشركاء الإقليميين، وفي الوقت نفسه تعزيز قدرة الدولة على الوصول في نهاية المطاف إلى نزع السلاح غير الشرعي. هذه ليست لهجة تقنية. إنها إعادة تعريف للمهمة نفسها.

والأهم أن هذا الدعم ليس مفتوحًا ولا غير مشروط. فالمقاربة الأميركية المقترحة تضع سقفًا ماليًا وتمنح الأولوية لوحدات مدقَّقة في أهليتها داخل الجيش، مع ربط الإفراج عن القسم الأكبر من التمويل بشروط سياسية وأمنية بالغة الحساسية. فالمنطق الذي يحكم هذه البنود يقول إن استمرار الدعم مشروط بإظهار الحكومة اللبنانية، قولا وفعلا، أنها لم تعد تتعامل مع البنية العسكرية للحزب كأمر واقع دائم أو كتفصيل داخلي مؤجل، بل كمعضلة سيادية ينبغي معالجتها عبر مؤسسات الدولة. بهذا المعنى، تتحول المساعدة من أداة دعم إلى أداة قياس: هل تريد الدولة فعلا تغيير قواعد اللعبة، وهل تملك القدرة السياسية والأمنية للشروع في ذلك؟

تأتي آليات الرقابة الدورية لتثبت أن واشنطن لا ترى الأمر خطوة رمزية أو رسالة ضغط قصيرة الأجل. فالمطلوب، بحسب هذا النهج، تقارير متكررة عن مدى تراجع قدرات “حزب الله”. وحتى التفاصيل المتعلقة ببنية وحدات الجيش الخاصة وانتشارها تدخل في صلب المراجعة. والمعنى هنا واضح: الولايات المتحدة تريد سجلا قابلا للقياس يحدد ما إذا كان لبنان يتحرك فعلا ضد بنية الحزب العسكرية أو يكتفي بإدارة التوازنات من حوله. وإذا خلصت واشنطن إلى وجود قدرة من دون إرادة، فإن الدعم نفسه يصبح قابلا للتعليق. وهذا يجعل مشروع الـNDAA، بالنسبة إلى لبنان، أكثر من بند في الموازنة الدفاعية الأميركية. إنه إطار سياسي – أمني متكامل لاختبار النيات والقدرات معًا.

من هنا، لا يكتسب موقع لبنان داخل مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية أهمية خاصة. فالمذكرة، بحسب ما نُشر عن بنودها المسرّبة، تبدو معنية أولا بوقف الحرب الأوسع، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفتح مسار تفاوضي لاحق بشأن النووي والعقوبات والترتيبات الإقليمية. أما الجبهة اللبنانية، فتظهر ضمن هذا الإطار كملف تابع لوقف الأعمال العدائية، لا كموضوع جرى التوصل فيه إلى تسوية مستقلة أو نهائية.

وهنا تحديدًا تتضح ملامح الاستراتيجية الأميركية التي تؤكد فصل المعضلة اللبنانية – الإسرائيلية عن التفاهم الأميركي – الإيراني. فمصادر البيت الأبيض شددت على أن إسرائيل ليست طرفًا مباشرًا في الاتفاق، وأن انسحابها من لبنان ليس شرطًا منصوصًا عليه فيه، وأن حقها في الرد أو “الدفاع عن النفس” بقي مطروحًا في حال استمرار أي تهديد صادر من “حزب الله” أو من الأراضي اللبنانية. وبمعنى عملي، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام وقف نار اسمي يخفف مستوى الحرب المفتوحة، لكنه لا يمنع استمرار الضربات الموضعية أو العمليات الإسرائيلية التي تُبرَّر بأنها استباقية أو ردعية. بذلك، لا يتحول لبنان إلى ساحة تسوية بقدر ما يبقى ساحة إدارة خطر.

هذه المفارقة تفسر لماذا لا يبدو لبنان، من وجهة النظر الأميركية، من المستفيدين التلقائيين من خفض التصعيد مع إيران. فالإدارة الأميركية، كما توحي التسريبات السياسية، تفصل بين مسارين: مسار التفاهم مع طهران حول النووي والملاحة ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع، ومسار التعامل مع “حزب الله” كسلاح خارج سلطة الدولة داخل لبنان. وفي هذا الفصل تكمن الرسالة الأشد قسوة على بيروت: حتى لو تراجعت المواجهة الأميركية – الإيرانية، فإن ملف “حزب الله” لن يختفي داخل صفقة كبرى، وسيُعاد تصنيفه كمشكلة لبنانية ينبغي أن تُدار وتُحتوى وتُفكك محليا، مع دعم خارجي مشروط لا أكثر.

يعني ذلك سياسيًا أن الخطاب الذي طالما قدّم سلاح “الحزب” باعتباره جزءًا من ميزان ردع إقليمي لم يعد يلقى الصدى نفسه في واشنطن. فالحرب الأخيرة وما ترتب عليها من دمار وتهجير وضربات متبادلة أعادت طرح السؤال القديم بصيغة أكثر حدة: من يحمي لبنان فعلا، ومن يقرر كلفة الحرب والسلم باسمه؟ في القراءة الأميركية الراهنة، لم يعد “الاستثناء المسلح” يُنظر إليه كضمانة للأمن اللبناني، بل كأبرز أسباب هشاشته، لأنه يسمح لطرف غير الدولة بربط البلاد بحسابات إقليمية تتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال أو التحكم.

ولهذا السبب، لم تعد واشنطن تتحدث بلغة عامة عن “بسط سلطة الدولة” من دون مضمون تنفيذي. ما يبرز الآن هو تصور أكثر عملية يقوم على خطوات تدريجية يمكن التحقق منها: توسيع نطاق انتشار الجيش، تعزيز العمل الاستخباري، تجفيف مسارات التسليح، وتقديم إشارات ميدانية تثبت أن الدولة قادرة على دخول مناطق لطالما اعتُبرت خارج إرادتها الكاملة.

ويظهر في هذا السياق الحديث في واشنطن عن “مناطق تجريبية” كمساحات اختبار للسيادة، تنطلق من بيروت الكبرى ومحيطها بوصفها المعيار الأول لقياس الجدية. فالدولة التي لا تستطيع فرض قواعدها في العاصمة يصعب عليها إقناع واشنطن أو غيرها بأنها ستفرضها في الجنوب أو على خطوط التماس الأكثر حساسية.

لكن هذا المسار يصطدم بمعضلة دائرية تكاد تختصر الأزمة كلها. فبيروت تقول إن استمرار الضربات الإسرائيلية والتمسك بمواقع داخل الأراضي اللبنانية يضعفان قدرة الدولة على بناء سلطة مستقرة ويدفعان نحو مزيد من التوتر الداخلي. أما إسرائيل فترد بأن أي انسحاب من دون مؤشرات لبنانية موثوقة على ضبط السلاح غير الشرعي لن يفعل سوى منح “حزب الله” فسحة لإعادة التنظيم. وبين هذين المنطقين، يترسخ نوع من الجمود المشروط: لا انسحاب كامل بلا تحرك لبناني ذي صدقية، ولا تحرك لبناني كامل تحت ضغط نار مستمرة وتهديد مفتوح بالتصعيد.

في النهاية، ما يكشفه مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 وموقع لبنان داخل مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية هو أن واشنطن لا تعرض على بيروت تسوية جاهزة، بل معادلة قاسية: دعم مستمر، لكن بشروط. وتهدئة إقليمية، لكن من دون مظلة تحل تلقائيًا عقدة “حزب الله”. ونافذة لإعادة بناء الدولة، لكن فقط إذا برهنت هذه الدولة أنها مستعدة لالتقاط الفرصة.

Exit mobile version