كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
لم يغيّر التفاهم الأميركي – الإيراني شيئًا في المشهد اللبناني، بل ثبّت المسار الذي كان قد انطلق بعد الحرب الأخيرة. فكل الرهانات التي بُنيت على أن يؤدي الاتفاق إلى حماية “حزب الله” أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء سقطت أمام الوقائع السياسية والميدانية.
لم يكن لبنان بندًا تفاوضيًا أساسيًا على طاولة واشنطن وطهران، بل جرى التعامل معه من زاوية تثبيت وقف النار ومنع تجدد المواجهة العسكرية. أما الملفات الجوهرية المرتبطة بالحدود والسلاح والترتيبات الأمنية، فبقيت خارج أي ضمانات إيرانية فعلية.
والأكثر دلالة أن المذكرة لم تتضمن أي مهلة زمنية للانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي لا تزال تسيطر عليها إسرائيل في الجنوب، وهذا الأمر يتقاطع مع الموقف الذي يعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ أشهر، والقائم على ربط أي انسحاب بمعالجة ملف السلاح بصورة نهائية.
لم يحصل “حزب الله” على ما كان ينتظره. فالاحتلال لا يزال قائمًا في البلدات الجنوبية، والقصف لم يتوقف نهائيًا، وعودة الاستقرار الكامل إلى القرى الحدودية ما زالت بعيدة. لذلك ترى أوساط سياسية أن طهران منحت حليفها وعودًا لا تملك القدرة على ترجمتها على الأرض، فيما تبدلت الأولويات الإقليمية والدولية بصورة جذرية.
وتكشف معلومات “نداء الوطن” أن الصيغة الأكثر تقدمًا في النقاشات الجارية تقوم على معادلة واضحة: الأرض مقابل السلاح. وبحسب المعلومات، فإن الجانب الإسرائيلي يعتبر أن أي انسحاب يجب أن يترافق مع خطوات عملية تتعلق بتسليم السلاح غير الشرعي وإنهاء الواقع العسكري الذي نشأ خلال العقود الماضية في الجنوب.
وتؤكد مصادر مواكبة أن هذه المعادلة لم تعد مجرد طرح إسرائيلي، بل أصبحت محور البحث الفعلي في الاتصالات الدولية والإقليمية المتعلقة بلبنان. لذلك يبدو الرهان على بقاء السلاح خارج سلطة الدولة أو الحفاظ على الواقع السابق أقرب إلى حسابات سياسية لا تجد ما يدعمها في موازين القوى الحالية.
وفي المقابل، تشير معلومات “نداء الوطن” إلى أن الدولة اللبنانية مستمرة في المفاوضات الجارية من دون أي تعديل في أولوياتها بعد توقيع التفاهم الأميركي – الإيراني. وتعتبر المراجع الرسمية أن مسار حصر السلاح بيد الدولة أصبح جزءًا من النقاش الدولي والعربي حول مستقبل لبنان، وأن أي اتفاق إقليمي لن يؤدي إلى تجميد هذا الملف أو إخراجه من التداول.
وتشير المعلومات إلى أن لبنان الرسمي يتعامل مع المرحلة الحالية على أساس أن القرار الدولي والعربي بات يركز على دعم الدولة ومؤسساتها، لا على إدارة التوازن القائم بين الدولة والسلاح. ومن هنا ترى المراجع المعنية أن البلاد دخلت مرحلة سياسية مختلفة عما كان قائمًا خلال السنوات الماضية.
وفي موازاة ذلك، يحظى ملف السلاح باهتمام سعودي مباشر. وتؤكد مصادر مطلعة أن المملكة تعتبر هذا الملف مدخلا أساسيًا لأي عملية دعم اقتصادي أو استثماري للبنان. كما أن العواصم العربية المؤثرة لا تبدي استعدادًا للعودة إلى الصيغة السابقة التي سمحت باستمرار السلاح خارج الشرعية.
أما “حزب الله”، فيواجه واقعًا سياسيًا جديدًا. المعادلات التي حكمت المنطقة لسنوات تبدلت، والقدرة على فرض الشروط تراجعت، فيما تتقدم الدولة اللبنانية في مسار التفاوض مدعومة بمظلة عربية ودولية واسعة. لذلك لا تبدو الأوساط الرسمية قلقة من التفاهم الأميركي – الإيراني، بل تعتبر أن مسار معالجة السلاح مستمر، وأن لبنان تحرر من قبضة إيران، وأن الحديث عن صفقة أميركية على حساب لبنان لا يستند إلى معطيات فعلية بقدر ما يعكس رهانات فقدت عناصر قوتها مع تبدل المشهد الإقليمي.

