Site icon IMLebanon

هل ينجح الشرق الأوسط في بناء توازن جديد؟

كتب بطرس الخوري في نداء الوطن:

لم يكن الشرق الأوسط يوماً مجرد مجموعة دول متجاورة تتفاعل وفق مصالحها المحلية، بل كان على الدوام إحدى أهم ساحات الصراع الدولي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي، عاشت المنطقة تحت تأثير نظام عالمي ثنائي القطبية تقاسمت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي النفوذ والتحالفات وموازين القوى.

خلال تلك المرحلة، لم تكن أي قوة إقليمية قادرة على فرض هيمنة مطلقة على المنطقة، لأن التنافس بين القطبين كان يخلق توازنات تحول دون سيطرة طرف واحد على الشرق الأوسط. وكانت الدول والحركات السياسية والعسكرية تجد نفسها في كثير من الأحيان جزءاً من صراع عالمي أكبر منها.

لكن انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 غيّر قواعد اللعبة بالكامل. فمع اختفاء أحد القطبين، دخل العالم مرحلة الأحادية الأميركية، وتراجعت القدرة على ضبط التوازنات التي كانت تحكم المنطقة. ومع أن الولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الوحيدة، فإن الفراغ الذي نتج عن تراجع النفوذ السوفياتي لم يملأه الأميركيون وحدهم، بل استفادت منه أيضاً قوى إقليمية صاعدة كانت تبحث عن فرصة للتمدد.

وجاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين ليشكل نقطة التحول الأبرز في تاريخ المنطقة الحديث. فقد انهار أحد أهم الحواجز الجيوسياسية التي كانت تحد من النفوذ الإيراني، وبدأت طهران مرحلة توسع غير مسبوقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين عبر شبكة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة المرتبطة بها سياسياً أو عقائدياً.

غير أن حصيلة هذا التمدد لم تكن قيام نظام إقليمي مستقر، بل على العكس تماماً. فقد ترافقت سنوات النفوذ الإيراني مع تراجع الدولة الوطنية في أكثر من بلد عربي، وتآكل المؤسسات، وتدهور الاقتصادات، وتحول العديد من الساحات إلى ميادين للصراع والحروب المفتوحة.

في المقابل، وجدت إسرائيل نفسها أمام فرصة استراتيجية تاريخية. فمع تراجع الجيوش العربية التقليدية، وانشغال الدول بأزماتها الداخلية، وتصاعد المخاوف من المشروع الإيراني، تمكنت من تعزيز تفوقها العسكري والأمني والسياسي. ومع الضربات التي تعرض لها النفوذ الإيراني في السنوات الأخيرة، تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تسعى إلى ترجمة هذا التفوق إلى موقع الهيمنة الإقليمية الأولى في الشرق الأوسط.

هنا تحديداً تبرز أهمية اللقاءات والتنسيقات المتزايدة بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان. فهذه الدول تدرك أن المنطقة لا يمكن أن تنتقل من هيمنة إلى أخرى دون أن تدفع ثمناً باهظاً. كما تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر انتصار مشروع إقليمي على آخر، بل عبر قيام توازن يمنع أي طرف من احتكار القرار الإقليمي.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم المشهد الراهن من خلال نظرية “فخ ثيوسيديدس”. ففي التاريخ، غالباً ما تنشأ الصراعات الكبرى عندما تحاول قوة صاعدة تغيير موازين القوى القائمة. لكن خصوصية الشرق الأوسط اليوم أن الصراع لا يدور بين قوتين فقط، بل بين ثلاثة مشاريع متنافسة: مشروع إيراني يحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذه، ومشروع إسرائيلي يسعى إلى استثمار تفوقه لترسيخ هيمنته، ومحور إقليمي ناشئ يريد منع انتصار أي مشروع هيمنة مطلقة.

أما لبنان، فهو ربما النموذج الأكثر تعبيراً عن تأثير الصراعات الدولية والإقليمية على الدول الصغيرة. فمنذ الاستقلال، كان البلد مرآة للتوازنات التي تحكم المنطقة. وخلال الحرب الباردة تحول لبنان إلى إحدى ساحات التجاذب بين المعسكرين الشرقي والغربي. وقد ظهرت انعكاسات هذا الصراع بوضوح في أزمة عام 1958 التي ارتبطت بالصراع بين المشروع الناصري المدعوم من الاتحاد السوفياتي وبين المعسكر الغربي الذي كان لبنان جزءاً منه آنذاك.

ثم جاءت الحرب اللبنانية عام 1975 لتتحول تدريجياً إلى ساحة تداخلت فيها الصراعات المحلية مع الحسابات العربية والإقليمية والدولية، فبات لبنان مختبراً لموازين القوى التي كانت تتحكم بالشرق الأوسط خلال الحرب الباردة.

وبعد انتهاء الحرب اللبنانية وسقوط الاتحاد السوفياتي، لم يخرج لبنان من دائرة الصراعات، بل انتقل من مرحلة إلى أخرى. فمع تراجع النفوذ السوفياتي ثم سقوط نظام صدام حسين لاحقاً، أصبح لبنان أحد أبرز مواقع النفوذ الإيراني في المنطقة. وتحول تدريجياً إلى جزء من المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، ما جعله يدفع أثماناً سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.

واليوم، ومع تراجع المشروع الإيراني من جهة ومحاولة إسرائيل توسيع نفوذها من جهة أخرى، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام مفترق تاريخي. فإما أن يبقى ساحة صراع بين القوى الإقليمية المتنافسة، وإما أن يستفيد من ولادة توازن إقليمي جديد يعيد الاعتبار للدولة الوطنية والمؤسسات الشرعية.

إن مصلحة لبنان، كما مصلحة معظم دول المنطقة، لا تكمن في انتصار إيران على إسرائيل ولا في انتصار إسرائيل على إيران، بل في نجاح قيام منظومة توازن تمنع أي طرف من فرض هيمنته المطلقة. فالتجربة التاريخية أثبتت أن الدول الصغيرة هي أول من يدفع ثمن اختلال التوازنات الكبرى، وأن الاستقرار لا يولد من الغلبة بل من التوازن.

لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس من سيربح الصراع بين النفوذين الإيراني والإسرائيلي، بل ما إذا كانت الدول الإقليمية الكبرى قادرة على بناء محور توازن يحمي المنطقة من العودة إلى منطق الهيمنة. وإذا نجح هذا المشروع، فقد يكون الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الدولة والتنمية والاستقرار، بعد عقود طويلة من الصراعات والمحاور والحروب.

Exit mobile version