لكن بعض الدروس التي حملتها السّنتان الماضيتان كانت قاسية. فقراءة الأخبار عن الانهيار الاقتصادي شيء، والحديث مع شخص لم يعد قادراً على الوصول إلى مدخرات عمرٍ جمعها بجهده، وبجهود عائلته عبر أجيال، هو شيء مختلف تماماً. لقد لاحظت عمق الانقسامات الطائفية، وكيف تراجعت روح البراغماتية والتعاطف خلف خطوط حزبية أكثر تصلباً. كما عايشت التداعيات المعقدة والآثار المدمرة لوجود السلاح خارج سلطة الدولة على المجتمع اللبناني، وكأننا إزاء دولة داخل الدولة. وشهدت الغضب يتراكم مع استمرار التعطّل السياسي والفساد والإفلات من العقاب.
والحقيقة أنّ لبنان، مع ما يمتلكه من مقومات، يمكن أن يكون في مكانة أفضل كثيرا. فهذا البلد يزخر بالإمكانات، من جماله الطبيعي إلى مخزونه الكبير من الإبداع والمثابرة، وصولاً إلى قدرته على تحويل تنوعه إلى مصدر قوّة.
وقد بدأت بعض هذه الإمكانات في الظهور خلال العام الماضي، مع تبني الرئيس الجديد والحكومة أجندات جريئة وطموحة كسرت المحظورات ورسمترؤية لدولة لبنانية قوية وذات سيادة. ولعل المحادثات الأخيرة في واشنطن وما نتج عنها من اتفاق إطاري، وإن كانت جزءاً من صورة أكبر، تُظهر أن لبنان قادر على فتح آفاق جديدة نحو المستقبل.
ومع ذلك، فلا بد من خلق بيئة داخلية مواتية، ليس فقط لمواجهة تأثير التطورات والعوامل الخارجية، بل أيضاً للانتقال إلى حكم فعّال قائم على اتخاذ القرارات. صحيح أن نظام تقاسم السلطة في لبنان له تاريخ طويل، لكن النهج القائم على مركزية دور الدولة غاب عن البلاد لفترة طويلة. وثمةحاجة إلى مقاربة أشمل لقضية السلاح خارج سلطة الدولة، مقاربة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تضمن لجميع اللبنانيين مستقبلاً تكون فيه الدولة وحدها الحامية لهم، والقادرة على تأمين احتياجاتهم.
إنّني مقتنعة بأن قيام دولة لبنانية قوية لا يزال هدفاً قابلاً للتحقق. لكنه يتطلب سنوات من العمل الجبار، والكثير من الصبر. ومن الواضح أن الحكومة وحدها لا تستطيع إنجاز هذه المهمة، بل لابد من مشاركة جميع القادة والفاعلين السياسيين واضعين مصلحة الدولة فوق أي انتماء حزبي أو طائفي. كما يحتاج لبنان بالتأكيد إلى دعم شركائه وأصدقائه في الخارج، بما يعزز قرارات الدولة اللبنانية ويساندها.
ولا بد أيضا من تغيير عقلية المجتمع اللّبناني وممارساته، بعدما اعتاد طويلاً الاعتماد على شبكات دعم خارج إطار الدولة. ما سمعته خلال إقامتي في لبنان هو أنّ الغالبية الساحقة من الناس قد سئمت هذا الواقع. فمن موظفي القطاع العام وأصحاب المشاريع إلى بائعي الفاكهة وسائقي سيارات الأجرة، الجميع يريد حياة مستقرّة؛ يريد أن يستقبل أحبّاءه العائدين من الخارج، وأن يخطط لمستقبله من دون أن يعلّق كل شيء على عبارة: “لنرَ كيف ستكون الأوضاع الشهر المقبل”.
ليس هناك أفضل من اللحظة الراهنة لإطلاق نداء جامع للالتفاف حول العلم اللبناني.
عندما أقلعت طائرتي من مطار بيروت، فعلت ما تعلّمت أن أفعله خلال العامين الماضيين: نظرت من نافذة الطائرة. أدهشني امتداد ساحل البحر المتوسط، والمشهد العمراني للمدينة الذي يصعد تدريجياً نحو قمم جبل لبنان الشامخة”.
لبنان بلد قدّم الكثير للعالم؛ من الأبجدية التي يعتبرها كثير من المؤرخين أساس الأبجدية الحديثة، إلى ما أراه شخصياً أفضل “كشك” في المنطقة. واليوم، حان الوقت لأن يقدّم لبنان لنفسه الفرصة التي يستحقّها، وأن يصبح البلد الذي يليق به أن يكونه؛ بلداً لا يقل، بكلّ صدق، عن كونه جنّةً على الأرض”.

