كتب سعد الياس في “القدس العربي”:
تراجع الانطباع الذي تكوّن غداة توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن طهران خرجت صاحبة اليد العليا في المنطقة، ما أتاح لـ «حزب الله» في لبنان التمسك بسردية «الانتصار» ومخاطبة السلطة اللبنانية بموقف متشدد من المسار اللبناني الإسرائيلي في واشنطن ومن مسألة حصرية السلاح بيد الدولة. وجاء توقيع «اتفاق الإطار» بين سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يحئيل لايتر برعاية وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، ليكرّس معادلة جديدة تقوم على نزع سلاح حزب الله مقابل استعادة الأرض، ويسقط الرواية الإيرانية حول فرض الانسحاب الإسرائيلي بالقوة، حيث تسترد الدولة اللبنانية زمام المبادرة عبر مؤسساتها الشرعية وجيشها، وليبدّد بالتالي كل الأجواء عن عودة النفوذ الإيراني إلى لبنان وليجعل طهران الجهة الوحيدة المتضررة التي يمكن أن تعرقل هذا الاتفاق وتدفع «حزب الله» إلى التحرك داخلياً وافتعال أعمال شغب للتخريب، وهذا ما لوّح به بوضوح عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله الذي توعّد بمواجهة أي إجراءات رسمية لنزع سلاح «الحزب»، وهدّد «بإشعال حرب أهلية وبسقوط السلطة تحت أقدام الشعب».
وفور إطلاق هذا التصريح نزل مناصرو «الحزب» على دراجاتهم النارية إلى الشوارع ولم يكتفوا بالتظاهر في الضاحية الجنوبية، بل خرجوا إلى طريق المطار وجسر الرينغ وساحة رياض الصلح والرملة البيضاء، ما دفع بالجيش اللبناني إلى التدخل بشكل صارم لتفريق المتظاهرين ولاسيما على طريق المطار التي يُعتبر اقفالها خطاً أحمر.
وشكلت ذكرى عاشوراء مناسبة لـ «الحزب» لإظهار حجم تمثيله الشعبي ولكي يطل أمينه العام الشيخ نعيم قاسم ويعلن أنه «واجه حرب إلغاء وجود لحزب الله وبيئته وشعبه وكسر المشروع الإسرائيلي الأمريكي».
واستبق قاسم اختتام الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة في الخارجية الأمريكية وصدور «إعلان نيات»، بتحديد سقف سياسي لما يوافق عليه «الحزب» وما لا يوافق عليه، قائلاً في رد على ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح «حزب الله» إن «على إسرائيل أن ترحل من دون قيد أو شرط، وأي التزام ضد سيادة لبنان لن يمر ولا يحق لأحد أن يوقع شيئاً أو أن يقبل شيئاً»، رافضاً ما ورد في إعلان واشنطن بعد الجولة الرابعة لجهة «إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل»، وعاد ليحصر مسألة السلاح في منطقة جنوب نهر الليطاني فقط من دون شمال النهر.
وبات معلوماً أن «حزب الله» يضغط لإبقاء الساحة اللبنانية ورقة مساومة بيد إيران تستخدمها بما يخدم مصالحها الخاصة ومصالح «الحزب»، وهو لا ينفك عن مهاجمة السلطة واتهامها بالمكابرة وبتقديم تنازلات مجانية للعدو توسّع الانقسام الداخلي، ويدعوها إلى اغتنام ما يسميه «فرصة الدعم الإيراني الذي فرض على العدو الصهيوني وقف إطلاق النار وألزم داعمه الأمريكي بتعهد انسحابه من أرضنا قريباً جداً».
غير أن مطالب «حزب الله» ومحاولته الإفادة من المسار الإيراني الأمريكي لفرض معادلة جديدة في لبنان اصطدمت بإصرار الدولة اللبنانية على فصل مسارها عن مسار إسلام آباد ومن بعدها سويسرا وإبقاء مسألة السلاح في صلب المفاوضات وربط إسرائيل أي انسحاب لجيشها بنزع سلاح «حزب الله»، ما جعل الزخم الإيراني يقتصر على فترة مؤقتة خصوصاً بعدما عادت إسرائيل لتخرق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان من دون أن تنجح طهران في لجم هذه الانتهاكات وترجمة تهديداتها بالرد عليها. كما اصطدم «حزب الله» بأمر ميداني تمثل بالإعلان عن سيطرة الجيش الإسرائيلي على تلة علي الطاهر بحسب ما زعمت المتحدثة بإسم الجيش إيلا واوية.
تزامناً، جاء البيان الصادر عن الاجتماع الذي عُقد في المنامة بين وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ليقدم دعماً سياسياً للدولة اللبنانية من لاعبين لا يرغبون في بقاء «حزب الله» لاعباً صاحب نفوذ على الساحة الداخلية في لبنان بالاستناد إلى سلاحه.
فقد أكد وزراء مجلس التعاون الخليجي «التزامهم الكامل بسيادة لبنان وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه، ورحّبوا بالمفاوضات الثنائية الجارية بين إسرائيل ولبنان، برعاية الولايات المتحدة، والهادفة إلى تهيئة الظروف اللازمة لإبرام اتفاق سلام وأمن دائم بين البلدين»، مشددين «على أهمية الحفاظ على مسار العملية التفاوضية وألا يرتبط بأي نزاعات أخرى». والأبرز أيضاً ما ورد في البيان من تأكيد «أن السيادة اللبنانية الكاملة لا يمكن أن تتحقق في ظل احتفاظ جماعات مسلحة غير حكومية بقدرات عسكرية خارج نطاق سلطة الدولة، داعين إلى نزع سلاح جميع هذه الجماعات بالكامل، واستعادة احتكار الدولة اللبنانية للقوة».
وهذا ما حمل الشيخ نعيم قاسم على الدعوة «لكف أيدي الدول العربية والأجنبية التي تضغط على السلطة اللبنانية لجرها إلى الفتن ومصالحة إسرائيل أو مصالح إسرائيل»، قائلاً للمسؤولين «تعاونوا مع الدول العربية والأجنبية التي تساعد لبنان لسيادته وبنائه لا أن تأتي بعض الدول وتقول لكم انزعوا السلاح لنساعدكم».
فما يزعج محور الممانعة هو الخيارات الداعمة للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية ومبدأ احتكار السلاح من أي جهة أتت لأنها تتعارض مع المشروع الإيراني الهادف للإبقاء على السلاح خارج الشرعية أو بحثه ضمن «استراتيجية أمن وطني» أو إجراء مقايضات بين السلاح وتعديلات دستورية تكرّس دور ونفوذ الثنائي الشيعي في السلطة، وهذا ما ألمح إليه أخيراً عدد من مسؤولي «الحزب» الذين استحضروا اتفاق الطائف وطالبوا بشراكة فعلية وبمكتسبات على مستوى السلطة.
أكثر من ذلك، استاء «حزب الله» كثيراً من المملكة العربية السعودية لأنها رسمت خطاً أحمر حول الحكومة ورئيسها نواف سلام بعدما دعا الشيخ نعيم إلى إسقاط الحكومة لإعادة إنتاج الفراغ وإتاحة المجال لفرص التعطيل والمزيد من المكتسبات السياسية. وقد قام الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان بأكثر من جولة في العاصمة اللبنانية وضيّق هامش الحركة أمام «حزب الله» وأفقده الكثير من الغطاء السياسي الذي كان يتمتع به في البيئات السنية والدرزية والمسيحية. كذلك، فإن قرار المملكة برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية شكّل مؤشراً على دعم لبنان وعدم إبقاء اللبنانيين أسرى الأزمة الاقتصادية وشجّع الدولة على الاستمرار في تشديد الرقابة على المعابر والمطار والمرافق العامة.
في المقابل، ترك بيان مجلس التعاون الخليجي ارتياحاً كبيراً لدى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي أعرب عن تقديره «لدعوة دول المجلس إلى بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية» ما يعني أن السلطات اللبنانية لم تعد في موقف مُربَك بعد ما تقرر على المسار الإيراني الأمريكي.

