Site icon IMLebanon

المناهج الجديدة… بين هواجس الذاكرة ورهان الإصلاح

كتبت د. بولا أبي حنا في “نداء الوطن”:

أثار مشروع تحديث المناهج الذي أعدّه المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي نقاشاً واسعاً, ولاسيما حول مادة التاريخ. لكن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الحصص، بل بفلسفة التعليم وجودة التطبيق.

بعد نحو ثلاثين عاماً على اعتماد مناهج عام 1997، عاد ملف التربية إلى صدارة النقاش العام. فما إن أُعلن، يوم الخميس 26 حزيران، عن موافقة مجلس الوزراء على إصدار المرسوم المتعلق بالمناهج التربوية الجديدة، الذي أعدّه المركز التربوي للبحوث والإنماء بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، حتى انطلقت موجة واسعة من النقاش، ولا سيما حول مادة التاريخ وتقليص عدد ساعات تدريسها. وانقسمت الآراء بين من رأى في المشروع خطوة إصلاحية طال انتظارها، ومن اعتبره مدخلاً للمساس بالذاكرة الوطنية والهوية اللبنانية.

وكان من أبرز الأصوات المعترضة البروفسور عصام خليفة، الذي حذّر من تقليص حضور التاريخ في المدرسة اللبنانية، معتبراً أن هذه المادة تمثل أحد أهم ركائز تكوين المواطن وصون الذاكرة الوطنية.

هذا القلق مفهوم ومشروع، لأن التاريخ ليس مجرد مادة مدرسية، بل هو ذاكرة وطن، ومرآة مجتمع، وأحد أهم عناصر بناء الهوية الوطنية. غير أن النقاش العلمي يقتضي أيضاً التمييز بين المشروع كما هو، وبين الانطباعات التي تتشكل حوله قبل الاطلاع على تفاصيله النهائية وآليات تطبيقه.

وبحسب ما أفاد به عدد من أساتذة التاريخ والباحثين التربويين الذين تابعوا مراحل إعداد المناهج، فإن الصورة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد لا تعكس المشروع بصورته الكاملة. فالغاية، كما أُعلن، ليست إلغاء مادة التاريخ أو شطب محطاتها الأساسية، بل إعادة تنظيم بعض المضامين وربطها بمواد أخرى، مثل التربية على المواطنة والعلوم الاجتماعية، بحيث يُدرَّس الحدث التاريخي في سياقه السياسي والاجتماعي والحقوقي، بدلاً من أن يبقى معزولاً في إطار زمني يعتمد الحفظ والاستظهار.

كما أن مشروع المناهج لا يزال يمر بمراحل الاستكمال والإعداد للتطبيق، الأمر الذي يجعل إصدار أحكام نهائية في هذه المرحلة سابقاً لأوانه.

في الواقع، لم تكن المشكلة في لبنان يوماً مرتبطة بعدد ساعات تدريس التاريخ بقدر ما ارتبطت بطريقة تدريسه. فعلى مدى سنوات طويلة، تحولت هذه المادة في كثير من الأحيان إلى عملية حفظ للتواريخ والأسماء والمعارك بهدف اجتياز الامتحان، بينما غاب عنها التحليل، وربط الماضي بالحاضر، وفهم تطور الدولة والمجتمع واستخلاص الدروس من التجارب التاريخية.

واليوم، في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، لم يعد معيار جودة التعليم كمية المعلومات التي يحفظها الطالب، بل قدرته على تحليلها، ومقارنتها، وتقييمها، واستخدامها في فهم الواقع. فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع خلال ثوانٍ، أما التفكير النقدي فلا يزال يُبنى داخل المدرسة.

ومن هنا، فإن إدخال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، واعتماد التكامل بين المواد الدراسية، يمثلان توجهاً تربوياً حديثاً معمولاً به في العديد من الأنظمة التعليمية، شرط ألا يأتي ذلك على حساب عمق المعرفة التاريخية أو دقتها. فالمطلوب ليس استبدال التاريخ بمواد أخرى، بل تقديمه بصورة أكثر ارتباطاً بالحياة المدنية، بحيث يفهم الطالب نشأة الدولة، وتطور المؤسسات، ومفهوم المواطنة، من خلال قراءة الأحداث التاريخية وتحليلها، لا الاكتفاء بحفظها.

لكن نجاح أي منهج جديد لن يتحقق بمجرد إصدار مرسوم أو اعتماد كتب مختلفة. فالتحدي الأكبر يكمن في إعداد المعلم وتأهيله. وقد أشار عدد من التربويين إلى أن تطبيق المناهج الجديدة يتطلب برامج تدريب متخصصة ومستمرة، لأن الانتقال من التعليم التلقيني إلى التعليم القائم على الكفايات والتفكير النقدي يستوجب تغييراً في أساليب التدريس والتقييم، لا في المحتوى وحده.

وهذا يعني أن نجاح الإصلاح لن يُقاس بما كُتب في الوثائق، بل بما سيحدث داخل الصفوف الدراسية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى محاكمة للنوايا أو إلى افتراض سوء القصد قبل الاطلاع على الصيغة النهائية للمناهج. فالنقد العلمي حق، بل ضرورة، لكنه يكون أكثر فاعلية عندما يستند إلى قراءة النصوص الكاملة وتقييم النتائج الفعلية، لا إلى معلومات مجتزأة أو انطباعات متسرعة.

ويبقى من واجب المؤرخين، والجامعات، والجمعية التاريخية اللبنانية، والخبراء التربويين، متابعة المشروع بدقة، والتأكد من أن الذاكرة الوطنية، والحقائق التاريخية، والتعددية اللبنانية، تبقى جميعها مصانة في أي منهج جديد. فإضعاف الوعي التاريخي ينعكس مباشرة على فهم المجتمع لهويته وتطوره، ويجعل الأجيال أقل قدرة على قراءة حاضرها واستشراف مستقبلها.

إن تطوير المناهج لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تنازلاً عن الذاكرة الوطنية، بل فرصة لإعادة تقديمها بأساليب تعليمية أكثر فاعلية. فالتاريخ الذي يُدرَّس بوصفه مادة للحفظ قد يُنسى سريعاً، أما التاريخ الذي يُقدَّم بوصفه أداة لفهم المجتمع والدولة وبناء المواطنة، فيبقى أثره في وعي الأجيال، ويصبح جزءاً من ثقافتهم المدنية.

وكما قال الفيلسوف الفرنسي ميشال دو مونتين:

“نريد عقولاً أُحسن تكوينها، لا عقولاً مملوءة بالمعلومات”.

فالمعركة الحقيقية ليست بين عدد الحصص وعدد الصفحات، بل بين تعليم يكتفي بالتلقين، وتعليم يبني الإنسان القادر على الفهم، والتحليل، والإبداع، والمشاركة الواعية في بناء وطنه.

Exit mobile version