كتب داود رمال في نداء الوطن:
تتجه الأنظار إلى المسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، في ظل تصاعد الحديث عن إمكان تحقيق اختراق سياسي وأمني يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة إلى خلف الحدود الدولية. ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع جدل داخلي حول دور المسارات الإقليمية، ولا سيما الإيرانية، في التأثير على القرار الأميركي والإسرائيلي، مقابل الرهان المتزايد على المفاوضات المباشرة التي يقودها الوفد اللبناني بوساطة أميركية.
وفي هذا السياق، تمكّن الوفد اللبناني، خلال الجولة الأخيرة من مفاوضات واشنطن، من طرح مقاربة مختلفة تقوم على ربط أي تسوية بإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وهو ما يعتبرونه إنجازًا تفاوضيًا يصعب تحقيقه عبر أي قناة أخرى. ويستند هذا الطرح إلى سؤال يفرض نفسه في ضوء التطورات الأخيرة: إذا صحّ، كما يقول مؤيدو إيران في لبنان، أن طهران استطاعت، عبر أوراق الضغط الإقليمية، ومنها مضيق هرمز، دفع الولايات المتحدة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، فهل تمتلك القدرة نفسها على إلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية؟
وفق هذا المنظور، تبدو الإجابة سلبية، لأن القرار الإسرائيلي المرتبط بالانسحاب لا يخضع، بحسب هذا الرأي، للتفاهم الأميركي – الإيراني بقدر ما يرتبط مباشرة بالحسابات السياسية والأمنية للحكومة الإسرائيلية. ويشير أصحاب هذه القراءة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يستطيع سياسيًا القبول بأن يكون مستقبل ملف الانسحاب من لبنان نتيجة تفاوض أميركي – إيراني، لما يحمله ذلك من انعكاسات على موقعه الداخلي، ولذلك فإن أي اتفاق من هذا النوع يُعد، بالنسبة إليه، بمثابة مخاطرة سياسية كبيرة.
ومن هنا، يبرز الموقف الأميركي الذي يؤكد أن الطريق الوحيد لمعالجة ملف الانسحاب الإسرائيلي يمر عبر المسار اللبناني – الإسرائيلي بوساطة واشنطن، وليس عبر أي مسار إقليمي آخر، سواء كان في طهران أو إسلام آباد أو الدوحة أو سويسرا. ويعكس هذا التوجه رغبة أميركية في أن يكون أي تقدم ميدانيًا وسياسيًا ثمرة تفاوض مباشر تشرف عليه واشنطن وتضمن آليات تنفيذه.
وفي الإطار نفسه، تحظى ما بات يُعرف بـ”صيغة الإطار” باهتمام واسع، باعتبارها خطوة سمحت للبنان بالحصول على ضمانات وتفاهمات لم يكن من السهل تحقيقها في مراحل سابقة. وهذه الصيغة لا تزال تحتاج إلى بعض الإيضاحات التقنية والتفاصيل التنفيذية، وهو الملف الذي يتولاه مباشرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، انطلاقًا من أن النصوص السياسية، مهما بلغت دقتها، تبقى مرتبطة بآليات التنفيذ التي ستتولاها اللجنة العسكرية الثلاثية، أو ما يصفه البعض بالملحق العسكري والأمني اللبناني – الأميركي – الإسرائيلي، باعتباره الإطار العملي لترجمة أي تفاهمات على الأرض.
وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى الشهر الحالي الذي قد يشهد في واشنطن محطة سياسية بارزة تتمثل في القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس اللبناني جوزاف عون، بعد استكمال الترتيبات الرسمية اللازمة لعقدها. وتكتسب هذه القمة أهمية خاصة، في ضوء الاتصال الهاتفي الذي جمع الرئيسين، والذي ركز بصورة أساسية على أولوية الانسحاب الإسرائيلي. إذ إن ترامب سأل عون: “ماذا تريد مني؟”، فجاء الجواب واضحًا: “أريد أمرًا واحدًا، وهو الانسحاب الإسرائيلي من لبنان إلى خلف الحدود الدولية”. وكان جواب الرئيس الأميركي: “هذا الأمر سيحصل”، وهو ما رفع منسوب الترقب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من خطوات عملية.
وفي المقابل، فإن الرهان على المسارات الإيرانية لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي يبقى محدود الجدوى، لأن التفاهمات التي رافقت وقف إطلاق النار، رغم أهميتها في تهدئة الجبهات، لم تتضمن نصًا واضحًا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، بل اقتصرت على تثبيت وقف إطلاق النار وفتح باب التفاوض لفترة زمنية محددة تمتد إلى ستين يومًا. ولذلك، فإن الفصل بين ملف التهدئة وملف الانسحاب يبدو أساسيًا لفهم طبيعة المرحلة المقبلة، حيث تصرّ واشنطن على أن الانسحاب يجب أن يكون ثمرة المسار اللبناني – الإسرائيلي الذي ترعاه مباشرة، لا نتيجة تفاهمات إقليمية موازية. وبين هذه المعطيات، يبقى نجاح المفاوضات مرهونًا بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات تنفيذية، في وقت يترقب فيه اللبنانيون ما إذا كانت الأسابيع المقبلة ستشكّل بداية مرحلة جديدة تثبّت مسار الحل ويبدأ معها طيّ أحد أكثر الملفات حساسية في الصراع القائم.

