Site icon IMLebanon

عودة النازحين تحسم المشهد…اللبنانيون يمنحون “صيغة الإطار” شرعيتها الشعبية

كتب داود رمال في نداء الوطن:

لم يكن توقيع “صيغة الإطار” في واشنطن نهاية المسار السياسي، بقدر ما شكّل بداية مرحلة جديدة ستتحدد ملامحها في ضوء الوقائع الميدانية أكثر مما ستتحدد عبر البيانات والمواقف المؤيدة أو الرافضة.

وبينما انصب الاهتمام السياسي والإعلامي على تفاصيل الاتفاق وما يمكن أن يترتب عليه، برزت حقيقتان أساسيتان لم تحظيا بما تستحقانه من قراءة وتحليل، على الرغم من أنهما تمثلان المؤشرين الأكثر أهمية على مستقبل المرحلة المقبلة. الأولى تجلت في رد فعل اللبنانيين الذين سارعوا إلى العودة إلى الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب، والثانية في أن تنفيذ “صيغة الإطار” لن يكون بالتفاهم مع إسرائيل، وإنما عبر مواجهة سياسية وتفاوضية شاقة، هدفها إلزامها بما تعهدت به، وانتزاع حقوق لبنان في كل محطة من محطات التنفيذ.

فالعودة السريعة للأهالي جاءت بمثابة استفتاء شعبي صامت على الخيار السياسي الذي انطلق من طاولة واشنطن. فالمواطنون الذين دفعوا أثمان الحرب من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم لم ينتظروا انتهاء السجالات السياسية ولا الضمانات الكاملة، كما أنهم لم يلتفتوا إلى الدعوات التي طالبتهم بالتريث أو إلى حملات التخويف التي تحدثت عن احتمال انهيار التفاهم وتجدد العمليات العسكرية. لقد اتخذوا قرارهم بالعودة، وكأنهم يقترعون بأقدامهم لصالح الحل السياسي الذي تقوده الدولة، مؤكدين أن إرادة الاستقرار أصبحت أقوى من مناخ القلق والترهيب الذي حاولت جهات متعددة تكريسه في الأيام التي أعقبت توقيع الاتفاق.

وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن توقيع “صيغة الإطار” يعني الدخول في مرحلة تعاون مع إسرائيل يفتقد إلى الواقعية. فالمعركة الحقيقية تبدأ بعد التوقيع، لأن التنفيذ سيكون في مواجهة إسرائيل وليس بالشراكة معها. وستتحول كل مرحلة من مراحل التطبيق إلى اختبار سياسي وتفاوضي معقد، يحتاج إلى ضغط أميركي ودولي متواصل لإلزام الحكومة الإسرائيلية بما تم الاتفاق عليه، في ظل قناعة راسخة بأن تل أبيب لا تزال تتعامل مع أي حديث عن الانسحاب أو تثبيت التفاهمات باعتباره تنازلا لا ترغب في تقديمه بإرادتها.

ومن المفارقات التي فرضتها المرحلة أن تتقاطع، موضوعيًا، مصالح إسرائيل مع مصالح إيران و”حزب الله” في رفض “صيغة الإطار”، رغم اختلاف الخلفيات والدوافع. فإسرائيل لا تريد المضي في أي حل يحد من هامش عملياتها العسكرية ويقودها إلى الانسحاب، فيما ترى إيران و”حزب الله” أن المسار الجديد يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للملف اللبناني، تعزز دور الدولة في إدارة التفاوض وتحد من استمرار منطق المواجهة المفتوحة. وهكذا، وعلى الرغم من التناقض العميق بين المشروعين، فإنهما يلتقيان عند رفض المسار الذي انطلق من واشنطن، بينما يجد لبنان نفسه أمام فرصة لإدارة التفاوض انطلاقًا من مصالحه الوطنية.

ولا تبدو الوقائع الميدانية مؤشرًا على وجود رغبة إسرائيلية فعلية في الحل. فمن يرتكب مجزرة في النبطية الفوقا لا يقدم سلوكًا يعكس استعدادًا لإنهاء المواجهة، بل يؤكد استمرار اعتماد القوة العسكرية وسيلة لفرض الوقائع. كما أن الأسلوب الذي يعتمده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مخاطبة بعض القرى المسيحية، بالتوازي مع انتشار مقاطع مصورة لمعممين وموتورين عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحمل رسائل تهديد ووعيد، يعكس استمرار الحرب النفسية ومحاولة تعميق المخاوف والانقسامات الداخلية. إلا أن اللافت أن هذه الضغوط، سواء جاءت من الجانب الإسرائيلي أو من خلال بث المخاوف من انهيار الاتفاق، لم تمنع الجنوبيين من العودة إلى منازلهم، بل جاءت النتيجة معاكسة تمامًا، إذ تقدم المواطنون على حساب الخوف، وأعادوا تثبيت حضورهم في أرضهم رغم كل المخاطر.

وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة صاحبة الدور الحاسم في إبقاء المسار التفاوضي قائما. فالمعطيات تشير إلى أن واشنطن هي التي دفعت إسرائيل إلى المشاركة في جولتي التفاوض اللتين عقدتا خلال شهر حزيران الماضي، رغم رفض حكومة بنيامين نتنياهو هذا الخيار. فالأخير لا يزال يفضل استمرار الحرب، ويرفض حتى الآن البحث الجدي في الانسحاب قبل انتهاء انتخابات الكنيست، إلا أن الإدارة الأميركية استخدمت ثقلها السياسي والاستراتيجي لإجبار إسرائيل على الجلوس إلى طاولة التفاوض، في خطوة تؤكد أن القرار الأميركي، عندما يتوافر، يبقى قادرًا على فرض إيقاع مختلف حتى على أقرب حلفائه.

لذلك، أفرزت المرحلة الراهنة تحولَين كبيرين يتجاوزان أهمية أي بيان سياسي أو تفاهم مكتوب. الأول أن لبنان يفاوض عن نفسه، عبر دولته ومؤسساتها، بعدما كان القرار اللبناني في محطات عديدة أسير حسابات خارجية أو داخلية متشابكة. أما التحول الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في عودة أبناء الجنوب إلى أرضهم، لأن هذه العودة تشكل المعيار الحقيقي لنجاح أي مسار سياسي. فلا قيمة لأي تفاوض إذا بقيت القرى خالية من سكانها، فيما تصبح عودة الناس إلى بيوتهم التعبير الأكثر صدقية عن نجاح الدولة في حماية حق مواطنيها في الحياة والاستقرار. ومن هنا، فإن اقتراع الجنوبيين بأقدامهم لصالح العودة قد يكون الحدث الأبرز الذي أعقب “صيغة الإطار”، لأنه منحها الشرعية الشعبية التي تسبق، في كثير من الأحيان، اكتمال تنفيذها على الأرض.

Exit mobile version