Site icon IMLebanon

ديكتاتوريّة السّلاح

بقلم الدكتور جورج شبلي:

يَعتبر أصحاب أنظمة السّلاح أنّ ديكتاتوريّتهم الاستقوائيّة مَنيعة، مهما شهدت من تَحَدّ تُنظّمُه الشعوب، ويَستخدمُ النّضالَ اللاّعنفي سبيلًا لمواجهة هذا الكابوس. وغاب عن المُهَيمِنين بالقتل، أنّ هذا الشّكل من النّضال، ومن خلال ردّات فعلهم عليه، قد كشف الطّبيعة الوحشيّة لحيثيّتهم القمعيّة التي عرفَها الدّاخلُ والخارج، واللّذان باتا مُتيقِّنَين، تمامًا، بأنّ السّلاح شكّل مؤسّسة مُتفلّتة من سيطرة الدولة، أو حزبًا مُتحكِّمًا انتهاكيًّا، أي أزمة سياديّة ” عويصة “. وبالتالي، لم يبقَ، في المقابل، سوى خيارٍ وحيد هو الانقلاب الحتميّ، والتمرّد عليه، للتخلّص من  نظامِه البغيض .

في لبنان، زُمَرُ السّلاح تتعاطى، وبعناية فائقة، لكنْ مفضوحة، إجراءاتٍ شكليّة تحشدها ظاهريًّا في خانة ما يُسَمّى السلوك الديمقراطي، كالانفتاح، وتَليين النّبرة، والدّعوة الى السّلام، ما تَظنُّ أنّه قد يوفِّر لها، حاليًّا، وقد ضاقَ عليها الخِناق، قناعًا إلزاميًّا لتَلاعُبها الدائم بمصير الوطن، من باب اغتيال قيامته المأمولة. ولكنْ، هل كلُّ مَنْ يدعو الى سلام، يريد، في الحقيقة، سلامًا متوازنًا عادلًا، أم يفرِضُ استسلامًا لا يعني أكثرَ من سلام الخنوع أو القبور ؟

إنّ نظام السلاح لن يمنح أصحابه، أبدًا، شرعيّةً بِجرَّة قلم، ولن يبقى كالزّمن الى اللاّنهاية. ولمّا كان العنفُ واجهتَه الأساسيّة، فهو يُعرِّض الاستقرارَ الوطنيّ للخطر.  وبالتالي، فإنّ ربطَه بما يُسَمّى، زُورًا، بالمقاومة، باتَ محاولةً مكشوفة وفاشلة، وتغطيةً متمرّدةً على الحقيقة. وذلك أنّ السّلاح قد رَجّحَ، في المعادلة الداخليّة، كفّةَ مَنْ يمتلكُه، في محاصرة شعب، وانتهاك حريّة، وإهدار حقّ، كذلك، في زعزعة المصلحة العامة التي تَمسُّ كيان المجتمع، وتزجُّه في حبسٍ احتياطيّ. والأدهى، أنّ اعتبارَه مقدَّسًا، وفوقَ حُرمةِ الوطن، قد فَرَضَ، بالقوة، ” حَقَّه ” المزعوم، في رَشقِ معارِضيه بتهمة العمالة، وبالتَّصَهيُن، ما يشوِّهُ كرامتَهم الوطنيّة، ويعرّضُهم للخطرالذي يطالُ حياتهم.

إنّ السلاحَ الذي ينشرُ ثقافة الخوف، بل الموت، ويغتالُ سيادة القانون، كما في المَسطَرة اللبنانيّة، لا بُدَّ من أن يَستنبتَ أسلحةً، إِنْ بقيَ ” على قَيدِ الوجود”، ولم تنتزعْه القوى الشّرعية. وإِنْ حصلَ ونَبَتَ سلاحٌ مُواجِه، فهذا يعني، بالذّات، معالجةَ الضّررِ بضَررٍ مثله، أي بتحريضٍ على ارتكابات غير قانونيّة، وسوى ذلك من موبقاتٍ أمنيّة متنقِّلة، ما يضعُ البلادَ فوقَ فوهّةِ فِتنة. أمّا التبريرات الفارغة التي يسوقُها جماعةُ المُمانَعة، فقد جعلت المواطنَ يقفُ أمام لوحةٍ خادِعة، مضامينُها غيرُ مقبولة. فالمنطقُ الأمنيُّ يرفضُ  التصنيفَ في تقييم السلاح، ويرفضُ الشعاراتِ التي يختبئ خلفَها، فليس، هنالك، سلاحٌ مُعتَدِل وسلاحٌ مُتطرِّف، أو سلاحٌ مُقدَّس وسلاحٌ جَحيميّ، بل سلاحٌ واحد جَزّار مُثيرٌ للارتياب، يُحاول أن يَصهر المُجرمَ والضحيّة، والبريءَ وقاطعَ الطريق، في تهديدٍ مُغرِضٍ يزعزعُ دعائمَ الدولة، ويجرُّ مواطنيها الى بيتِ الطّاعة .

إنّ النتائجَ الكارثيّةَ لديكتاتوريّةِ السّلاح الذي يَفترسُ الوطن، بانَت للعيان، وفي الميدان، وليس من داعٍ للبرهان. فقد أدّى هذا السّلاحُ العَقيم، الى تدميرِ الجنوب، بل لبنان، وإرسالِ آلافِ أهلِه الى مواجهةِ ربِّهم، قَسرًا… بالإضافة الى كارثة التّهجير، والنّزوح، والتّشويه، وانهيار النّسيج الاجتماعي، والكيان الاقتصادي، وشلل القطاعات الإنتاجيّة، وظهور جيلٍ يعاني من صدماتٍ نفسيّة عميقة… إنّ هذا الواقعَ الأليم، بل الأَسْوَد، يقتضي، حتمًا، انتفاضةً للسلطةِ الشّرعيّة التي يُؤمَلُ أن تستطيع، وبقرار جريء، أن تعمل على ” تَأميم ” هذا السّلاح، وتجعلَ امتلاكَه وكالةً حصريّةً بها، فيتحقّقُ، بذلك، تحريرُ المُواطنِ من إقطاعِ أهلِ السلاح، وإرثِهم الثّقيل، ولا يتذكّرُهم الوطنُ إلّا بصورةٍ مُشلَّعةٍ البُرواز.

إنّ العلاقةَ بين السّلاح والجريمة، هي علاقةٌ عُضويّة، فالسّلاحُ هو الأداةُ التنفيذيّة للجريمة، وحِيازتُه غير المشروعة تزجُّ الوطنَ في حروبٍ وصراعاتٍ دمويّة، وتُتيحُ لحاملِهِ أنواعَ الموبقات، كالتعدّي، والسّطو، والتّهريب، والإتجار بالممنوعات، وتَجاوُز القوانين، وإضعاف هيبة السّلطة وشلّ الضّوابط …

أمّا المطلبُ الوطنيّ، بعدَ سقوطِ دكتاتوريّة السّلاح الذي هشَّمَ البلادَ، ونَزَّفَ أهلَها ضحايا، ولَجَّأَ الكثيرينَ منهم الى مخيّماتِ الذلّ، وبَتَرَ الأملَ بغدٍ أفضل… إنّ المَطلبَ الذي ينبغي أن يكونَ حتميًّا، هو ملاحقة مرتكِبي جرائمِ الحرب، ومحاكمة مسؤوليهم الذين ارتكبوا ما سحقَ الوطن، وغَوَّصَ ” لَحمَه ” في طَعم الموت، فباتَ يلحسُ من دَمِه، ويضمِّدُ جراحَه بالجِراح. لذلك، لا سبيلَ للإفلات من العقاب، لتحقيق العدالةِ للضّحايا، وللوطنِ ” الشّهيد “.

 

Exit mobile version