كتبت فتات عيّاد في “نداء الوطن”:
بالكاد مرّت 24 ساعة على قرار وزير الداخلية أحمد الحجار رقم 825، تاريخ 2026/7/8، المتعلق بتنظيم بدلات تعليم السوق في مدارس قيادة المركبات الآلية، وتحديد آلية استيفائها “وفق معايير موحّدة وعادلة”، والذي يُعتبر إصلاحًا لمصلحة المواطن وتنظيمًا للمهنة، ليقفل باب بازار أسعار المدارس غير المضبوطة وغير المتساوية للتدريب على السوق، حتى انتشر بيان لـ”نقابة أصحاب مكاتب قيادة السيارات”، دعت فيه إلى “إعادة النظر في القرار”، مهدّدة بـ”الطعن به لإبطاله”.
فالقرار يقفل باب بازار التسعير، بكلفة قد تصل إلى 1000 دولار للتعليم والتدريب بغية إجراء امتحان السوق والاستحصال على دفتر السوق، لكن المفارقة الأكبر هي ما علمته “نداء الوطن” من أن دراسة تحديد البدلات أخذت برأي النقابة التي يتنكّر بعض أعضائها اليوم لما وافقوا عليه بالأمس!
القرار الذي جاء لينصف المواطن اللبناني، ورحّب به المواطنون، ولا سيما من يتباطؤون في إصدار دفاتر سوق ويهربون من حواجز السير، نظرًا إلى سقف البدلات المتفاوت والمرتفع في عدد كبير من المدارس، تعلّق عليه مصادر في الداخلية معنية بالدراسة، في حديث لـ”نداء الوطن”، بالقول: “تتفهّم وزارة الداخلية والبلديات موقف بعض أصحاب مكاتب تعليم قيادة السيارات، إلا أنها تؤكد أن مصلحة المواطنين تبقى الأولوية بالنسبة إلى الوزير أحمد الحجار، علمًا أن القرار الصادر عن الوزير جاء نتيجة دراسة معمّقة أخذت في الاعتبار مصلحة جميع الأطراف”.
والقرار يأتي ضمن صلاحيات الوزير قانونًا، ويتيح لمصلحة تسجيل السيارات معاقبة أي مدرسة تسعّر خارج البدل المحدّد. فكيف بدأت قصة دراسة الداخلية للبدل؟ وكيف انقلب بعض النقابيين على ما وافقوا عليه بالأمس؟
زيارة… فشكوى… فدراسة… فقرار
وعلمت “نداء الوطن” أنّه، خلال زيارة الوزير أحمد الحجار للنافعة في أيار الماضي، وجولته مع رئيس مصلحة تسجيل السيارات والآليات في الدكوانة، بالتكليف، العميد نزيه قبرصلي، على الأقسام كافة، وتحديدًا ميدان امتحان السوق، استمع الوزير إلى عدد من المواطنين المتقدمين لفحص السوق، حيث كانت هناك شكاوى حول كلفة التعليم والتدريب في مدارس السوق، وتفاوت الكلفة بين المدارس، إذ قد تصل إلى 500 و600 دولار، وأحيانًا إلى 1000 دولار، بمعزل عن إجادة التلميذ للسوق من عدمها.
من هنا كانت فكرة العمل على دراسة عادلة للمدارس والمواطن، تأخذ في الاعتبار الكلفة التشغيلية للمدارس وأرباحها، والكلفة المناسبة للمواطن، وكذلك تأخذ في الاعتبار مستويات إجادة السوق المتفاوتة بين الطلاب.
تنظيم ورقابة وتوحيد للمعايير
ومن المعروف في لبنان أن كل مكتب سوق يحدّد تسعيرة لبدلات التدريب وتعليم السوق وساعات السوق للمتدرّب، من دون أي معيار موحّد وشفاف يضمن مصلحة المواطن، وهو ما يجعل أهمية تنظيم بدلات التدريب تكمن في منهجية التسعير وفق مستوى إجادة المواطن للسوق، ووفق بدلات موحّدة بين المدارس.
كما تكمن أهمية قرار الوزير اليوم في أنه يأتي ضمن صلاحياته، وفق مرسوم تنظيم مهنة تعليم سوق السيارات وسائر المركبات الآلية رقم 13670، تاريخ 23-8-1963، ويتيح لمصلحة تسجيل السيارات معاقبة أي مدرسة تسعّر خارج البدل المحدّد، وتحرير محاضر ضبط بحقها، ما سينظّم المهنة، ويساوي بين المدارس في استيفاء البدلات، ويخفّف عن المواطن أعباء ناجمة عن انفلات السوق من دون تنظيم أو رقابة.
في تفاصيل القرار
جاء القرار بعد دراسة معمّقة، ويعتمد تقييم الطالب وتحديد البدلات وفق شروط منهجية واضحة.
إذ جاء في المادة الأولى منه: يتم تقييم الطالب وفق استمارة تقييم موحّدة تبعًا لكل فئة، ووفقًا لنماذج مرفقة بالقرار، فيما يتم تحديد قيمة البدل وفقًا لمستوى الطالب في قيادة المركبة، والذي يتم تحديده نتيجة للتقييم المبدئي النظري والعملي المحدّدين في الاستمارة.
واعتمد القرار مبدأ الشفافية عبر “توقيع المدرسة والطالب على الاستمارة”، بعد تحديد مستوى الطالب وتحديد البدل المستحق للمدرسة، علمًا أن نسخة من استمارة التقييم، مرفقة بإفادة التدريب والتعليم، تُرسل إلى مصلحة تسجيل السيارات.
أما المادة الثانية من القرار، فصنّفت الطلاب وفق خمسة مستويات: جيد جدًا، جيد، متوسط، ضعيف، وضعيف جدًا، وحدّدت، وفق هذه التصنيفات، عدد الساعات النظرية، والساعات العملية الأساسية، والساعات العملية للتدرّب على الطرقات العامة.
ففي حين قدّر القرار مستوى الطالب “جيد جدًا” بعدد ساعات إجمالي قوامه خمس ساعات، مقسّمة على ساعتين نظريتين، وساعتين عمليتين، وساعة على الطرقات العامة، قدّر القرار، في المقابل، مستوى الطالب الضعيف بإجمالي 11 ساعة، مقسّمة على أربع ساعات نظرية، وثلاث ساعات عملية، وأربع ساعات عملية على الطرقات العامة، فيما ترك هامشًا متحرّكًا لمستوى الطالب الضعيف جدًا في الساعات العملية والساعات العملية على الطرقات العامة، فتركها من دون تحديد.
أما قيمة البدل، فتُحدّد أيضًا وفق مستوى إجادة الطالب من جهة، وما إذا كان التدريب بسيارته الخاصة أو دراجته الخاصة، أو بسيارة المكتب أو دراجته، من جهة أخرى.
فمثلا، للطالب الضعيف جدًا، تكون الكلفة بسيارة المدرسة 26 مليونًا و550 ألف ليرة لبنانية، بينما تبلغ 11 مليونًا و250 ألف ليرة للطالب ذي المستوى الجيد جدًا. علمًا أن الطالب يتحمّل، في كل الحالات، “كامل الرسوم المفروضة عن رخصة السوق”.
بيان وتهديد بالطعن
وانتشر بيان لـ”نقابة أصحاب مكاتب تعليم قيادة السيارات”، دعت فيه إلى “إعادة النظر في القرار الأخير”، مهدّدة بـ”الطعن به لإبطاله”.
وأعلنت نقابة أصحاب مكاتب تعليم قيادة السيارات في لبنان – 1947، في بيان، “رفضها القاطع” للقرار رقم 825، الذي “تتمنى تعليق تنفيذه حتى تعديله”، معتبرة أن “القرار فرض سقوفًا مالية جائرة ومقطوعة لبدلات التعليم، تفتقر إلى أي دراسة علمية مبنية على قواعد المحاسبة التحليلية، وتحتسب المصاريف التشغيلية استنادًا إلى مرجعية محاسبية موثوقة”. واعتبر البيان أن القرار “ساوى بين أجور جميع مدرّبي السوق، رغم تفاوت كفاياتهم وخبرتهم”…
اجتماعات… فتنكّر
وتناسى البيان أنه، بحسب مرسوم مهنة تعليم سوق السيارات وسائر المركبات الآلية رقم 13670، تاريخ 23-8-1963، فإن المادة 15 منه تحصر تحديد البدلات بقرار يصدر عن وزير الداخلية والبلديات.
وبناءً عليه، حصلت عدة اجتماعات بين الإدارة، أي مصلحة تسجيل السيارات، ونقابات المدارس: نقابة مدارس السوق، ونقابة أصحاب مكاتب السوق، وأبدت موافقتها على الدراسة، قبل أن ينقلب بعض النقابيين في نقابة أصحاب السوق ويصدروا بيانهم!
وفي السياق، يؤكد أحد أعضاء نقابة مدارس السوق التي لم تصدر استنكارًا، مفضّلا عدم الكشف عن اسمه لعدم إحراج النقابة الأخرى، أنه “صحيح أننا اتفقنا مع الإدارة على هذا البدل المالي واعتبرناه منصفًا، لكننا نتريث ولن نعلّق على بيان أصحاب مكاتب السوق، بانتظار فهم ما إذا كانت لديهم حيثيات جديدة”.
من جهته، يعلّق نقيب أصحاب مكاتب السوق عفيف عبود على بيان نقابته بالقول: “صحيح أننا جلسنا مع الإدارة لنقسّم الأمور لناحية مستويات الطلاب، لكنهم لم يناقشونا بالأسعار”، وهو ما يقول عكسه عضو النقابة الأخرى، مضيفًا: “نحن مع المواطن، لكن لدينا رواتب موظفين وإيجارات مكاتب وسيارات جديدة للتدريب وقطع غيار غالية”.
مصادر: مصلحة المواطن أولوية الوزير
تعلّق مصادر معنية بالدراسة في وزارة الداخلية، في حديث لـ”نداء الوطن”، بالقول: “تتفهّم وزارة الداخلية والبلديات موقف بعض أصحاب مكاتب تعليم قيادة السيارات، إلا أنها تؤكد أن مصلحة المواطنين تبقى الأولوية بالنسبة إلى الوزير أحمد الحجار، وأن التخفيف من الأعباء المالية عنهم يشكّل جزءًا أساسيًا من الخطة التي تعتمدها الوزارة”.
وتضيف المصادر أن القرار الصادر عن الوزير جاء نتيجة دراسة معمّقة أخذت في الاعتبار مصلحة جميع الأطراف، بما في ذلك أصحاب المكاتب، متمنية على المعنيين التجاوب مع القرار، ومؤكدة أن هدفه، أولا وأخيرًا، هو تخفيف الأعباء عن المواطنين.
هاجس المال… وهاجس الرقابة
بالاستنتاج، فإن ما حصل هو انقلاب بعض أفراد إحدى النقابات على دراسة اتفق عليها بالأمس، فيما يعود قرار تحديد البدلات أساسًا إلى وزير الداخلية أحمد الحجار، وفق القانون، بل يأتي في صلب صلاحياته لتنظيم المهنة.
ليبقى السؤال: هل هاجس التنكّر مالي بحت، أم أن صلاحية الرقابة وتحرير محاضر ضبط للمدارس المخالفة سبب إضافي لمدارس لم تعتد الرقابة على عملها بعد، ودائمًا ما دفع المواطن اللبناني كلفة غياب هذه الرقابة؟

